قلنا إنه طاهر فلا تفريع / [1] عليه، وإذا قلنا إنه نجس فإذا أصاب الثوب منه شيء نظر فإن كان يسيرًا عفي عنه كما يعفى عن قليل دم البراغيث [2] وإن كان كثيرًا وجب غسله [3] ، كما إذا أصابه سائر النجاسات، وعلى هذا خَرْق التنور إذا اسود منه وقلنا إنه نجس فلا يجوز أن يخبز فيه حتى يمسح، ولا يجب غسله بالماء، لأن الدخان نجاسة يابسة، وخِرقة التنور كذلك أيضًا فلم ينجس أحدهما الآخر، فإن خبز فيه قبل أن يمسح فإن ظهر الخبز يكون نجسًا فلا يجوز أكله حتى يغسل بالماء [4] ، والله أعلم.
فصل وهل يطهر بالماء؟ ننظر فإن كان سمنًا أو ودكًا لم يطهر لأنه يختلط بالماء ولا يتميز عنه وإن كان زيتًا أو شيرجًا أو دهنًا غيرهما فقد اختلف أصحابنا فيه [5] ، فذهب أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق إلى أنه يطهر بالغسل، ومن أصحابنا من قال لا يطهر شيء من الأدهان بالغسل كما لا يطهر السمن والودك [6] وهذا ليس بصحيح لأن السمن والودك مما لا يمكن غسله لأنه يختلط بالماء، وسائر الأدهان يمكن غسلها لأنها تتميز من
(1) نهاية ل 31 / ب.
(2) البُرغوث: حشرة وثابة عضوض، وهي: دويبة سوداء صغيرة تثب وثبانًا، والجمع براغيث. العين 8/ 467، ومختار الصحاح 1/ 20.
(3) قال في الحاوي (15/ 161) : (إذا قلنا بنجاسته ففي العفو عنه وجهان، أحدهما: يعفى عنه للحوق المشقة في التحرز منه كدم البراغيث، والثاني: لا يعفى عنه، لأن البعد منه عند استعماله ممكن) . ا. هـ، فلم يفرق بين القلة والكثرة، وأطلق الوجهين.
(4) انظر: الحاوي الكبير (15/ 161) ، قال إمام الحرمين: الدهن المتنجس بعارض فدخانه أجزاء الدهن، وما وقع منه ونجسه لا يختلط بالدخان، فيظهر في هذا الدخان الحكم بالطهارة، فإن الذي خالط الدهن يتخلف قطعا، والدخان محض أجزاء الدهن. المجموع (9/ 238) ، وروضة الطالبين (2/ 66) .
(5) حكى الأصحاب في غسل الدهن النجس وجهين، أحدهما أنه لا يطهر بالغسل، وهو الظاهر من مذهب الشافعي وقول جمهور أصحابه ن والثاني: أنه يطهر بغسله، وعلى هذا فكيفية تطهيره: أن يحركه بخشبة ونحوها بحيث يظن وصوله لجميعه، ثم يترك ليعلو، ثم يثقب أسفله، فإذا خرج الماء سد. انظر: الحاوي الكبير (15/ 160) ، والمهذب (1/ 347) ، وحلية العلماء (4/ 62) ، وروضة الطالبين (3/ 349) ، ومغني المحتاج (1/ 243) ، قال النووي في المجموع (9/ 236) : وفي المسألة وجه ثالث: أنه يطهر الزيت ونحوه، ولا يطهر السمن، وممن ذكر هذا الوجه: القاضي أبو الطيب، والروياني، وهو شاذ، والصحيح عند الأصحاب أنه لا يطهر شيء من الأدهان بالغسل، وهو ظاهر نص الشافعي، وبه قال أبو علي الطبري.
(6) الحاوي 15/ 160، والمهذب 9/ 235، والمجموع 9/ 236.