فهرس الكتاب
الاضطرار علة في ابتداء الأكل ولا يكون علة في استدامته. وأما الجواب عن قياسهم على طعام الغير فهو أن لنا فيه قولين كالميتة ولا فرق بينهما [1] ، والله أعلم.
فصل إذا ثبت جواز الأكل [فهو] [2] هو واجب على المضطر اختلف أصحابنا فيه [3] ، فمنهم من قال الأكل واجب عليه لقول الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [4] ، فإذا لم يأكل مع اضطراره كان قاتلًا لنفسه، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [5] وقوله: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [6] ولأن رجلًا لو كان له مال وطعام فلم ينفق على نفسه منه ولم يأكله حتى مات جوعًا كان هو قاتلًا لنفسه، فكذلك هاهنا [7] . وقال أبو إسحاق المروزي: لا يجب عليه أكل الميتة [8] ، لأن له فيه غرضًا وهو أن لا يأكل شيئًا حرمه الله ولا يمتنع للإنسان أن يلقي نفسه إلى التهلكة لغرض، ألا ترى أنه يجوز له أن ينغمس في العدو وهو لا محالة يتحقق القتل، لما روي أن رجلًا قال: يا رسول الله أرأيت لو قتلت صابرًا محتسبًا إلى الجنة؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: [نعم، فانغمس في العدو وقتل] [9] .
(1) ستأتي هذه المسألة بعد قليل.
(2) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب (فهل)
(3) فيه وجهان، أصحهما كما في روضة الطالبين (2/ 548، 549) يلزمه، وانظر: حلية العلماء (3/ 413) ، والتهذيب (8/ 68) ،والوجيز (2/ 217) ، والمهذب (1/ 333) ، والمجموع (9/ 43) ، ومنهاج الطالبين ص 132 والمنهاج ص 323، والبيان (7/ 513)
(4) سورة النساء آية: 29.
(5) سورة المائدة آية: 32.
(6) سورة البقرة آية: 195.
(7) العزيز (12/ 158)
(8) العزيز (12/ 158) ، والتهذيب للبغوي (8/ 68) .
(9) رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين 3/ 1501 (1885) ، عن أبي قتادة بلفظ: أتكفر عني خطاياي؟ قال: نعم الحديث. وأما ذكر الجنة فورد عند أبي يعلى عن جابر بلفظ: أدخل الجنة؟ 3/ 383 (1857) وفي رواية عند أحمد عن جابر أيضًا 3/ 325 (14530) 3/ 352 (14838) 3/ 373 (15052) . وفي مسند عبد بن حميد عن قتادة 1/ 96 (192) . وأما بلفظ: فانغمس في العدو فرواه الحاكم في المستدرك (2/ 93) ، وفي مصنف ابن أبي شيبة 4/ 223 (19499) وصححه ابن حزم في المحلى (7/ 294) عن قتادة، قال: قال معاذ بن عفراء: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه يده في العدو حاسرًا، قال: وألقى درعًا كانت عليه فقاتل حتى قتل. ويدل عليه أيضًا قصة عمير بن الحمام التي رواها مسلم عن أنس في باب ثبوت الجنة للشهيد 3/ 1510 (1901) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم 13/ 46: فيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء. ويدل عليه أيضًا قصة أنس بن النضر التي رواها البخاري 3/ 1032 (2651) ، قال ابن حجر تعليقًا عليها في الفتح 6/ 23: وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد ... وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء في التهلكة أ. هـ.