فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 1183

والفرق بينهما: أن حق الله صفة من صفات الذات القديمة [1] كالجلال [2] والعظمة والكبرياء فهو غير مخلوق، وفي مسألتنا حلف بالكفر والبراءة وهما مخلوقان محدثان [3] ، فلهذا قلنا: لا تنعقد يمينه ولا تلزمه الكفارة، قالوا: فهو منتقض بما إذا قال لزوجته أو جاريته / [4] : أنت عليَّ حرام فإنه حلف بمحدث وتلزمه الكفارة. قلنا: هذا لا يلزم، لأنا قلنا: حلف بيمين محدثة، وقوله: أنت عليَّ حرام ليس بيمين، والدليل عليه أن الكفارة تلزمه بنفس تلفظه بذلك سواء فعل ما حلف عليه أو لم يفعل، ولو كان يمينًا لم تجب الكفارة إلا بوجود الفعل الذي حلف ألا يفعله، كما إذا حلف بالله تعالى أو بالطلاق، ولأن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ} [5] ولم يقل: لِم تحلف. قالوا: المعنى في الأصل الذي قستم عليه أنه لا يكفر بالبراءة منها لأنها مخلوقة، وليس كذلك في مسألتنا فإنه يبرأ مما يكفر بالبراءة منه فجاز أن تكون يمينًا يجب بالحنث فيها الكفارة. قلنا: عنه جوابان، أحدهما: أنا لا نسلم أنه إذا قال: أنا كافر بالله أو برسوله أو بالقرآن إن فعلت ثم فعل أنه يكون كافرًا، لأن السبب الموجب للكفر وهو البراءة مخلوقة محدثة لا يجب بها كفارة، وإذا كان السبب الموجب لا يحصل به شيء فالذي حصل بالسبب لا يتعلق به حكم، والثاني: أن الكفر إذا كان تجب به الكفارة فبالفسق أولى، وفي أكثر المواضع إنما يجب بالفسق، ألا ترى أن المحرم ينهى عن اللباس وأخذ الشعر والطيب، ولو فعل لزمته الكفارة لأنه فسق بالمخالفة، ولو أنه ارتد لم تلزمه الكفارة، فكان يجب أن تقولوا في مسألتنا إنه إذا قال: أنا زان إن فعلت وفعل تلزمه الكفارة، ولا أنتم تقولون به ولا نحن، والمعنى في الأصل الذي قاسوا عليه أنه غير محدث وأنه قديم، وفي مسألتنا بخلاف ذلك. قياس ثانٍ وهو: أنه حلف بصفة تعود إلى

(1) الأولى أن يقال: أزلية، فهو سبحانه لم يزل متصفا بصفات الكمال، لأنه الأول الذي ليس قبله شيء، وصفاته كذلك. وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (1/ 96)

(2) (جلال الله: عظمته، ولا يقال الجلال إلا لله) لسان العرب 11/ 116.

(3) أي لأن أفعال العباد من الكفر وغيره مخلوقة، قال تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) ، قال الماوردي: (لأن اعتقاد الكفر وبراءته من الإسلام محدث) الحاوي (15/ 263، 264)

(4) نهاية ل 54 / أ

(5) سورة التحريم من الآية: 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت