فهرس الكتاب
وأما الجواب عن قولهم: إن هذه لو كانت يمينًا منعقدة لكان الحاكم يقول لمن حلف: إن كنت كاذبًا فتجب عليك الكفارة، ولما لم يقل الحاكم ذلك دل على أنها ما انعقدت فهو: أن الحاكم إنما لم يحسن به أن يفعل هذا لأن الظاهر من الحالف أنه صادق في يمينه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [من حلف فليصدق ومن حلف له فليصدق] [1] . ولو جاز أن يقول له ذلك الحاكم لجاز أن يقول له: إن كنت كاذبًا فاغرم -لا يجوز له أن يقول ذلك ولا يأمره بالغرامة، وأما الجواب عن قولهم: إن هذه كفارة، والكفارات / [2] لا تثبت إلا بتوقيف أو اتفاق، وليس نعلم توقيفًا ولا اتفاقًا فهو من ثلاثة أوجه، أحدها: أنا لا نسلم بل عندنا يثبت من غير توقيف، ويصح إثباتها بالقياس [3] ، والثاني: أن التوقيف في ذلك قد بيناه ورويناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والثالث: أن عند أبي حنيفة أن أصل الكفارة لا تثبت إلا بتوقيف، فأما موضع الكفارة فيجوز إثباته بالقياس [4] ، ولهذا قال فيمن أكل في نهار رمضان عامدًا إن الكفارة تلزمه، وأثبت ذلك بالقياس على المجامع في نهار رمضان [5] ، لأن الكفارة وجبت عليه بالشرع أصلًا فجاز إثبات موضعها بالقياس، كذلك هاهنا، والله أعلم بالصواب.
فصل عندنا أن يمين الكافر تنعقد سواء كان وثنيًا أو كتابيًا، ومن حنث وجبت عليه الكفارة وتكون عقوبةً له لا تطهيرًا له، هذا مذهبنا [6] .
(1) عن ابن عمر قال: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يحلف بأبيه فقال: لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله. رواه ابن ماجه في السنن في كتاب الكفارات، باب من حُلف له بالله فليرض 1/ 679 [2101] والبيهقي في السنن الكبرى في كتاب الشهادات، باب يحلف المدعى عليه في حق نفسه 10/ 181 وقال: تابعه محمد بن إسماعيل الأحمسي عن أسباط، وقال ابن حجر في فتح الباري 11/ 536: سنده حسن.
(2) نهاية ل 56 / ب.
(3) في إثبات الكفارة بالقياس انظر: شرح الكوكب المنير 4/ 220، والبحر المحيط 5/ 62.
(4) انظر في مسألة القياس في الكفارات: البحر المحيط (5/ 62)
(5) انظر: فتح القدير (2/ 338، 339)
(6) الحاوي (51/ 269)