فهرس الكتاب
وقال أبو حنيفة: لا تنعقد يمين الكافر ولا تنعقد كفارة عليه إذا حنث [1] .
واحتج من نصر قوله بأنه ليس من أهل التكفير فوجب ألا تنعقد يمينه، أصل ذلك الصبي والمجنون [2] . قياس ثانٍ قالوا: ولأن من لا يصح منه الموجِب لا يصح منه الموجَب، أصله ما ذكرناه من الصبي والمجنون [3] .
واستدلال قالوا: ولأنا نبني هذا على أصلنا وأن الكفارة لا تصح منه، وإذا لم تصح منه لم يكن من أهل اليمين فنقول: إن الكفارة عبادة تفتقر إلى النية فوجب أن لا تصح من الكافر، أصل ذلك الصوم والصلاة وسائر العبادات [4] . قياس آخر قالوا: ولأن من لا يصح منه التكفير بالصيام يجب أن لا تنعقد يمينه، أصل ذلك الصبي والمجنون [5] .
ودليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: [من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه] [6] ، ولم يفصّل بين أن يكون مسلمًا أو كافرًا. ومن جهة القياس: أنه وجد الحلف بالله والمخالفة من مكلف، قاصد، مختار، فوجب أن تلزمه الكفارة، أصل ذلك المسلم [7] ، وهذه الأوصاف كلها مؤثرة فقولنا: وجد الحلف لا بد منه، لأنه لو لم يوجد الحلف لم تكن يمينًا ولم تجب الكفارة، وقولنا: المخالفة لأن الكفارة إنما وجبت للمخالفة، وقولنا: من مكلف احتراز من الصبي والمجنون، وقولنا: قاصد احتراز من الناسٍي، فإنه لو حنث ناسيًا لا كفارة عليه، وقولنا: مختار احتراز من الإكراه عليها، فإن المكره لا كفارة عليه، وأيضًا فإن أبا
(1) لأن اليمين تنعقد لتعظيم الله ومع الكفر لا يكون معظما ولقوله تعالى (إنهم لا أيمان لهم) . فتح القدير (5/ 86، 87) وحاشية ابن عابدين (4/ 30، 31) والاختيار (4/ 54) . وأما تحليف القاضي والقسامة وقوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم) فقال في حاشية ابن عابدين: (المراد بهذه الآية اليمين صورة، كتحليف القاضي لهم، إذ المقصود منها رجاء النكول، والكافر وإن لم يثبت في حقه شرعًا اليمين المستعقب لحكمه، لكنه في نفسه يعتقد تعظيم اسم الله تعالى، وحرمة اليمين به كاذبًا فيمتنع عنه فيحصل المقصود، فشرع إلزامه بصورتها لهذه الفائدة) .
(2) الحاوي (15/ 269)
(3) الحاوي (15/ 269)
(4) فتح القدير (5/ 87) ، والاختيار (4/ 54)
(5) الحاوي (15/ 269)
(6) تقدم تخريجه ص 362.
(7) الحاوي (15/ 269)