فهرس الكتاب
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: أن العلم صفة من صفات ذات الله، فإذا حلف بها وحنث لزمته الكفارة، أصل ذلك إذا قال وقدرة الله [1] . واستدلال وهو: أن نفي العلم نفي لكونه عالمًا وإثبات العلم إثبات لكونه عالمًا، لأنه إذا قيل لا فقه لفلان معناه أنه ليس بفقيه، وإذا قيل: لفلان فقه يقتضي أنه فقيه. فإن قيل: لا نسلم أن العلم قديم، قلنا: الدليل عليه قوله تعالى: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [2] وقال تعالى: {وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [3] . وأما الجواب عن قولهم: إن العادة لم تجر بأن يحلف بعلم الله فلا نسلم. وأما الجواب عن قولهم: إن علم الله بمعنى معلوم الله وهو محدث فهو من ثلاثة أوجه، أحدها: أن حمله على معلوم الله مجاز وحمله على ما ذكرناه حقيقة، وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، والثاني: إذا كان مترددًا بين أن يكون محدثًا فلا تنعقد اليمين به وبين أن يكون قديمًا فتنعقد به اليمين يجب أن يحمل على كونه صفة قديمة، كما إذا قال: أقسم فإن عند أبي حنيفة إذا قال ذاك انعقدت يمينه [4] ، وإذا حنث وجبت الكفارة وقال: لأنه إذا قال أقسم فهو يحتمل أن يكون قد أقسم بمحدث ولكن لما نهى صاحب الشرع عن الحلف بالمخلوقات والمحدثات قلت: إنه إذا قال: أقسم انصرف إلى أنه أقسم بالله فأوجبت عليه الكفارة، كذلك أيضًا كان يجب أن يقول في مسألتنا مثله. والثالث أنه منتقض به إذا قال: وقدرة الله فإنه إذا حنث وجبت عليه الكفارة، فإن قدرة الله لا يصح أن توجد وتكون محدثة وهي معدومة، والناس يقولون: اللهم إنك قد أريتنا قدرتك فأرنا رحمتك [5] ، ويقولون / [6] : سبحان من هذا قدرته، قال أبو الحسن الكرخي: إنما فرق
(1) الحاوي (15/ 261)
(2) سورة النساء آية: 166.
(3) سورة فاطر آية: 11.
(4) فتح القدير (5/ 72) ، وحاشية ابن عابدين (4/ 18)
(5) انظر: المغني (13/ 454) حيث ذكر هذه العبارة بلفظ: فأرنا عفوك.
(6) نهاية ل 58 / ب.