فهرس الكتاب
والوجه الثاني ذهب إليه أبو على الطبري فقال: إذا أطلق كانت يمينًا [1] ، وبه قال أبو حنيفة [2] . واحتج أبو علي بأن قال: إذا قال: لعمرو الله فإنه مشتق من العمر والبقاء، وإنما خفف لأنهم استثقلوا لعُمْر، وبقاء الله صفة من صفات ذاته القديمة فيجب إذا أطلق أن تنعقد يمينه، كما إذا قال: وعظمة الله وعزة الله وقدرة الله وأطلق [3] . واحتج أصحاب أبي حنيفة بأن قالوا: لعمرو الله قد ثبت لها عرفان عرف الشرع، وعرف اللغة [4] . أما عرف الشرع فقوله: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [5] } [6] .
وأما عرف اللغة فقول الشاعر:
إذا رضيت عليَّ بنو قشير *** لعمرو الله أعجبني رضاها [7]
وعليَّ بمعنى عني لأن هذه من حروف الصفات، كما قال تعالى: {وَيْلٌ [8] لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} [9] والمراد من الناس لأنه يقال: اكتلت منه وكلت منه، ومن اللغة أيضًا قول الآخر:
(1) الحاوي (15/ 274) ، والوسيط (7/ 207) ، والشامل ص 553، والعزيز 12/ 247، والبيان (10/ 505)
(2) مختصر الطحاوي ص 306، وفتح القدير (5/ 75) وحاشية ابن عابدين (4/ 17) والاختيار (4/ 52) وبدائع الصنائع (3/ 13) ، والهداية للمرغيناني (2/ 74)
(3) الحاوي (15/ 274)
(4) فتح القدير (5/ 75)
(5) قال الطبري في تفسيره 14/ 44: (قوله:(لعمرك) يقول تعالى لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: وحياتك يا محمد، إن قومك من قريش لفي سكرتهم يعمهون، يقول: لفي ضلالتهم وجهلهم يترددون) ثم نقل عن ابن عباس أنه قسم بحياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونقل عنه أن معناها: لعيشك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، قال: يتمادون، وعن قتادة قوله (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) هي: كلمة من كلام العرب، لفي سكرتهم أي: في ضلالتهم يعمهون، أي يلعبون. وعن الأعمش أنه قال: لفي غفلتهم يترددون، وعن مجاهد: يعمهون قال: يترددون).
(6) سورة الحجر آية: 72.
(7) نسبه ابن منظور في لسان العرب في مادة (رضي) للقحيف العُقيلي. وانظر: مغني اللبيب ص 191، والجنى الداني ص 445، وخزانة الأدب (10/ 132) ، وأدب الكاتب لابن قتيبة (1/ 395) .
(8) (ويل) أي: شدة عذاب في الآخرة، وقال ابن عباس: إنه واد في جهنم، يسيل فيه صديد أهل النار) تفسير القرطبي 19/ 219
(9) سورة المطففين آية: 1، 2.