وكان علماء التابعين في ذلك العصر، مع أكثر الأمة يقولون: إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن، لما فيه من معرفة بالرسل، وبالكتب المنزلة من اللّه تعالى، ولمعرفته بأن كل ما جاء من عند اللّه حق.
ولكنه فاسق بكبيرته، وفسقه لا ينفى عنه اسم الإيمان والإسلام.
فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز، واختلف الناس/ في أصحاب الذنوب على ما ذكرناه، خرج واصل بن عطاء عن قول جميع الفرق المتقدمة، وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن، ولا كافر، وجعل الفسق منزلة من منزلتى الكفر والإيمان.
فلما سمع الحسن البصرى من واصل بدعته هذه، طرده ... من مجلسه، فاعتزل عند سارية من سوارى
مسجد البصرة، وانضم إليه صديقه عمرو بن عبيد.
فقال الناس يومئذ فيهما: إنهما قد اعتزلا قول الأمة، وسمى أتباعها من يومئذ معتزلة.
3 -وأما الأسفرايينى فيرى أنهم: سموا معتزلة، لاعتزالهم مجلس الحسن البصرى، واعتزالهم قول المسلمين.
4 -وهناك رواية أخرى، تنسب كلمة الاعتزال الى عمرو بن عبيد، فالمقريزى والسمعاني يوردان الأمر على هذه الصورة: المعتزلى، هذه نسبة الى الاعتزال- وهو الاجتناب. والجماعة المعروفة بهذه العقيدة إنما سموا بهذا الاسم، لأن أبا عثمان عمرو بن عبيد، أحدث ما أحدث من البدع، وأعتزل مجلس الحسن البصرى وجماعة معه فسموا «معتزلة» .
ويذهب ابن قتيبة الى الشيء نفسه في «عيون الأخبار» فيقول: وكان يرى رأى القدر ويدعو إليه، وأعتزل هو وأصحاب له فسموه «المعتزلة» .
5 -وثمة رواية اخرى تقرر: أن الّذي سماهم بذلك، قتادة بن دعامة السدوسى (المتوفى سنة 117 - 118 ه) . وهو أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسى البصرى الاكمه، كان تابعيا وعالما كبيرا.
وكان يدور البصرة أعلاها وأسفلها بغير القائد، فدخل مسجد البصرة، فاذا بعمرو ابن عبيد ونفر معه، فأمهم- وهو يظن أنها حلقة الحسن البصرى- فلما علم أنها ليست له قال: «إنما هؤلاء المعتزلة» ، ثم قام عنهم، فمنذ يومئذ سموا «المعتزلة» .
ويقال، أنه ذكر هذا بعد وفاة الحسن البصرى.
وينتهى جوهر هذه القصة، الى أن الاسم أطلق عليهم نكاية بهم وسخرية، وانهم اعتزلوا مذهب الأمة جمعاء.
6 -أما كارلوا الفونسو نللينو، فإنه في مقالته «بحوث في المعتزلة» يصل النتيجة الآتية:
أن اسم المعتزلة- لم يطلق على الذين أنشئوا المدرسة الكلامية الجديدة، للدلالة على أنهم انفصلوا عن أهل السنة، أو تركوا مشايخهم القدامى ورفقاءهم- وإنما أطلق للدلالة على موقفهم كأناس مبتعدين محايدين، بين طرفى رجال الدين والسياسة في وقت ما، ممتنعين هكذا عن الخصومات والمنازعات القائمة بين المسلمين.
فاسم المعتزلة، لم يطلقه عليهم أهل السنة، وإنما اختاره المعتزلة أنفسهم، للدلالة على موقفهم الخاص في هذه المسألة، ويؤيد فكرته هذه بنصوص تاريخية، توضح أصل اسم المعتزلة، وهذه النصوص تثبت أن الكلمة أطلقت- كاصطلاح- على طائفة من الأشخاص عام 35 ه، لم يروا مبايعة على، ولو أنهم ليسوا من شيعة عثمان