وسموا هؤلاء «المعتزلة» لاعتزالهم بيعة على، ويورد النصوص الكثيرة عن أبى الفداء، والأخبار الطوال للدينوري، والطبرى. ثم يصل نللينو في ضوء هذه النصوص، بين المعتزلة المتكلمين، والمعتزلة السياسين، طالما كان المتكلمون قد خاصرا- ولو نظريا- فيما خاض فيه الأولون، وأرادوا اعتزال الفريقين معا- الخوارج، والسنة- ولذلك يقرر نللينو: أن المعتزلة الجدد المتكلمين، كانوا في الأصل استمرارا- في ميدان الفكر والنظر- المعتزلة السياسيين أو العملين.
ونحن نرى، فيما يتعلق برأى نلينو هذا، أنه: بالرغم من أن نللينو اقترب كثيرا من النتيجة الصائبة، إلا أن كثيرا من الجزئيات التى خاض فيها لم تكن صحيحة.
وعندنا فإن وضع المسألة الصحيح: أن اسم «المعتزلة» قد ظهر سياسيا- بلا شك- في حروب على وأصحاب الجمل، وفى حروب على ومعاوية، ولكنه لم يستخدم لطائفة معينة بذاتها. وثمة نص هام عثرنا عليه تقول «من الفرق التى افترقت بعد ولاية على فرقة منهم اعتزلت مع سعد بن مالك، وسعد بن أبى وقاص، وعبد اللّه ابن عمر بن خطاب، ومحمد بن سلمة الأنصارى وأسامة بن زيد بن حارثة. فإن هؤلاء اعتزلوا عليا، وامتنعوا من محاربته، والمحاربة معه، بعد دخولهم بيعته والرضاء به، فسموا معتزلة، وصاروا أسلاف المعتزلة الى آخر الأبد، وقالوا: لا يحلل قتال على أو القتال معه. والأحنف بن قيس قالها لقومه:
اعتزلوا الفتنة أصلح لكم.
ولا بأس أن يطلق على هؤلاء جميعا لقب المعتزلة، لكن لا يمكن اعتبار هؤلاء أسلاف المعتزلة.
ولنأخذ مثلا أبرز شخصية منهم، وهى شخصية عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، فعبد اللّه بن عمر من أهل الحديث- أهل السنة فقط- لا يمكن اعتباره إطلاقا سلفا لواصل بن عطاء، أو لعمرو بن عبيد، بل أن عمرو بن عبيد قد هاجم عبد اللّه ابن عمر، وأعتبره حشيا ونحن ننتهى الى النتيجتين الحاسمتين الآتيتين:
الأولى: أن المعتزلة هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذا اللقب ويؤيد هذا، ما قاله الرازى عن القاضى عبد الجبار، وهو مفكر المعتزلة الكبير: «كل ما ورد في القرآن من لفظ الاعتزال، فان المراد منه الاعتزال عن الباطل» . فعلم أن اسم الاعتزال مدح.
الثانية: أن السبب في أنهم اعتزلوا الناس، أو أن هذا الاسم أطلق عليهم، هو عدم موافقتهم على انتقال الخلافة لمعاوية، فأصابتهم حسرة مريرة، أن يسلب الحق أهله، فابتعدوا عن المجتمع السياسى، ولجئوا للعبادة، وسرعان ما تناسوا هذا السبب السياسى في اعتزالهم، وهم يتدارسون القرآن والتفسير. ولكن الحوادث التى كانت تحيط بهم جعلتهم يتجهون مرة أخرى للحياة السياسية والدينية. ومن هنا، ومن هذا المجتمع المعتزلى، خرجت المرجئة من ناحية، والمعتزلة الكلامية من ناحية أخرى. وللشهرستانى في كتاب الملل والنحل، إضافة فريدة فيما يتعلق بتسمية المعتزلة فيقول: ويسمون «أصحاب العدل» و «التوحيد» ، ويلقبون «بالقدرية» و «العدلية» . وهم قد جعلوا اللفظ «القدرية» مشتركا. وقالوا:
لفظ «القدرية» يطلق على من يقول «بالقدر» خيره وشره من اللّه تعالى، احترازا من وصمة اللقب، إذ كان الذم فيه متفقا عليه لقول النبي عليه السلام: «القدرية مجوس هذه الأمة» . وكانت «الصفاتية» تعارضها، بالاتفاق. على أن «الجبرية» و «القدرية» متقابلتان تقابل التضاد، فكيف يطلق لفظ الضد على الضد؟. وقد قال النبي عليه السلام «القدرية: خصماء اللّه في القدر» ، والخصومة في القدر، وانقسام الخير والشر عل فعل اللّه وفعل العبد، لن يتصور على مذهب من يقول بالتسليم والتوكل، وإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم، والحكم المحكوم.