المناظرة، فلما خرجوا، قال له القاضي أحمد بن أبي داود: «إن هذا لا يحتملك على هذا الفعل، فان عزمت عليه، فلا تحضر مجلسه» . فقال جعفر: «ما أريد الحضور، لو لا أنك تحملني عليه، فلما كان المجلس الثانى، نظر الواثق، ثم قال «أين الشيخ الصالح؟» .
فقال ابن أبي دواد: «إن به السل، وهو يحتاج الى أن يتكئ ويضطجع» قال الواثق: «فذاك» .
قيل: وجمع المأمون بين أبي الهذيل وبين زاذان بخت الثنوي، فجرت بينهما مناظرة. قال جعفر: «فبلغني المجلس لأني لم أحضر، فصرت الى زاذان بخت، فدخلت على شيخ له هيئة وجمال، فجلست إليه، وأعدت عليه المجلس، فقال: «المجلس كما بلغك، إلا أن المجلس لكم والرئيس أمامكم، وفي دون هذا، يحق الحصر وتغرب الحجة» .
فقلت: فأنا أسألك عن المسألة التي سألك عنها أبو لهذيل حتى تجيبني.
فقال لي: «قبل كلى شيء، ينبغي للعاقل أن ينصف في القول، كما يجب عليه أن يحسن في الفعل» . فقلت له: «صدقت، فخبرني من وعظك بهذه الموعظة: النور فهو مستغنى عنها، لأنه لا خير في العالم إلا منه، ولا يكون منه الشر البتة، أما الظلمة فلا يكون منها الخير أبدا، وهي مطبوعة على الشر، فلا معنى لهذا الوعظ» قال: ثم قال لي: «أنت غافل عما عليك في هذا الباب إن من مذهبك، أن اللّه تعالى قد وعظ قوما، يعلم أنهم لا يتعظون، ويأمرهم بالخير، ويعلم أنهم لا يفعلون، وأرسل إليهم ويعلم أنهم يكذبون، فليس بمستنكر أن أعظ من لا يقبل الوعظ، ولا يكون منه الخير» . قال جعفر: «بل أنت غافل، لأنك لا تعلم كيف قولنا، لأنا تقول: إن اللّه قد أقدر، من أمره بالخير، عليه. فهل تقول في الظلمة، أنها تفعل الاقدار على الخير؟» فقال:
«أ وليس من مذهبكم، أن الكافر لا يقدر أن يؤمن، والمؤمن لا يقدر أن يكفر؟» قال جعفر: «ليس هذا من مذهبنا، ومن قال بهذا من أمتنا، فهو شرّ حالا منك، عندنا، فانقطع وقمت» .