إما افع أو اعل، وفائدة الخلاف1 في الاشتقاق تظهر في صفات البارئ سبحانه وتعالى، فعلى كلام البصريين تكون صفاته تعالى قديمة، وعلى كلام الكوفيين تكون حادثة. ولا يقال: يلزم
ـــــــ
1 الخلاف: المضادة وخالفه إلى الشيء عصاه إليه أو قصده بعد أن نهاه عنه جاء في فتح القدير والدر المختار وحاشية ابن عابدين ونقله التهانوي عن بعض أصحاب الحواشي التفريق بين الاختلاف والخلاف بأن الأول يستعمل في قول بني على دليل والثاني فيما لا دليل عليه وأيده التهانوي بأن القول المرجوح في مقابلة الراجح يقال له خلاف لا اختلاف قال: والحاصل منه ثبوت الضعف في جانب المخالف في الخلاف كمخالفة الإجماع وعدم ضعف جانبه في الاختلاف وقد وقع في كلام بعض الأصوليين والفقهاء عدم اعتبار هذا الفرق بل يستعملون أحيانا اللفظين بمعنى واحد فكل أمرين خالف أحدهما الآخر خلافا فقد اختلفا إختلافا وقد يقال: إن الخلاف أعم مطلقا من الاختلاف وينفرد الخلاف في مخالفة الإجماع ونحوه. هذا ويستعمل الفقهاء التنازع أحيانا بمعنى الاختلاف.
الاختلاف في الأمور الاجتهادية- علم الخلاف- حقبقة الاختلاف وأنواعه:
على المجتهدين تحقيق موضع الاختلاف فإن نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها خطأ كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصح فليس كل تعارض بين قولين يعتبر اختلافا حقيقا بينهما فإن الاختلاف إما أن يكون اختلافا في العبارة أو اختلاف تنوع أو اختلاف تضاد وهذ الأخير هو الاختلاف الحقيقي.
أما الاختلاف في العبارة فأن يعبر كل من المختلفين عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه مثال ذلك تفسير الصراط المستقيم. قال بعضهم: هو القرآن وقال بعضهم هو الإسلام فهذان القولان متفقان لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن الكريم وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة.
وأما اختلاف التنويع فأن يذكر كل من المختلفين من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصهمثال ذلك تفسير قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32]
قال بعضهم: السابق: الذي يصلي أول الوقت والمقتصد في أثنائه والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار.وقيل السابق المحسن بالصدقة والمقتصد بالبيع والظالم بأكل الربا.
واختلاف التنوع في الأحكام الشرعية قد يكون في الوجوب تارة وفي الاستحباب أخرى فالأول مثل أن يجب على قوم الجهاد وعلى قوم الصدقة وعلى قوم تعليم العلم وهذا يقع في فروض الأعيان كما مثل. وفي فروض الكفايات ولها تنوع يخصها وهو أنها تتعين على من لم يقم بها غيره فقد تتعين في وقت أو مكان وعلى شخص أو طائفة كما يقع مثل ذلك في الولايات والجهات والفتيا والقضاء قال ابن تيمية: وكذلك كل تنوع في الواجبات يقع مثله في المستحبات.
وقد نظر الشاطبي في المسألة وحصر الخلاف غير الحقيقي في عشرة أنواع: منها: ما تقدم من الاختلاف في العبارة ومنها: أن لا يتوارد الخلاف على محل واحد. ومنها: اختلاف أقوال الإمام الواحد بناء على تغير الاجتهاد والرجوع عما أفتى به أولا. ومنها: أن يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم بأن يكون كل من العملين جائزا كاختلاف القراء في وجوه القراءات فإنهم لم يقرءوا بما قرءوا به على إنكار غيره بل على إجازته والإقرار بصحته فهذا ليس في الحقيقة باختلاف فإن المرويات على الصحة لا خلاف فيها إذ الكل متواتر.
وهذه الأنواع السابقة تقع في تفسير القرآن وفي اختلافهم في شرح السنة وكذلك في فتاوى الأئمة وكلامهم في مسائل العلم. وهي أنواع وإن سميت خلافا - إلا أنها ترجع إلى الوفاق.