لإطلاقه على أفراد كثيرة على تقدير وجودها، لكن لم يوجد إلا الفرد المستعمل فيه اللفظ كلفظ الجلالة، فإن ذات الباري واحدة وحقيقة الغلبة قصر اللفظ على بعض مسمياته إما تحقيقا أو تقديرا، وعلى أن أصل الله إله وهو قول البصريين وإنه وصف، فاختلف فيما اشتق منه فقيل من أله يأله ألاهة وألوهة بمعنى عبد، وقيل من أله إذا تحير؛ لأن العقول تتحير في معرفته، أو من ألهمت إلى فلان أي سكنت إليه لأن القلوب تطمئن بذكره والأرواح تسكن إلى معرفته، أو من أله إذا فرغ من أمر نزل إليه، وقيل غير ذلك كما في البيضاوي، فعلم مما قررنا أن المختلف فيه بالاشتقاق وعدمه إنما هو أصل لفظ الجلالة لا لفظها، خلافا لما جرى عليه الألسنة وفي عبارة كثير من المؤلفين، ونقل الأستاذ أبو القاسم القشيري أن جميع أسمائه تعالى صالحة للتخلق بها أو التعلق إلا لفظ الجلالة فإنه لا يصح إلا للتعلق، ومعنى التعلق الاعتماد والتوكل عليه والافتقار إليه ومعنى التخلق الاتصاف فإن نحو الرحمن والحليم يمكن أن يتصف بمعناهما بعض المؤمنين نحو فلان حليم أو عنده رحمة.
"الرَّحْمَنِ"أي البالغ في الرحمة والإنعام لأنه المنعم بجلائل النعم"الرَّحِيمِ"المنعم بدقائق النعم، والرحمن والرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رحم كالعليم من علم، واستعملتا مجازا في الكثرة كسائر صفات الله التي على صيغة المبالغة كغفور وشكور ولا مبالغة فيها، لأن المبالغة الحقيقية إثباتك للشيء أكثر مما يستحقه، ولا يصح ذلك إلا فيما يقبل الزيادة والنقص، وصفاته تعالى منزهة عن ذلك لبلوغها الغاية، ولا يقال: الصفة المشبهة إنما تصاغ من اللازم ورحم متعد، لأنا نقول: الفعل المتعدى إذا أريد به المدح أو الذم يجعل لازما بمنزلة فعل الغريزة، فينقل إلى باب فعل بضم العين ثم تشتق منه الصفة المشبهة أو ينزل منزلة اللازم، والفرق بين ما نزل منزلة اللازم وما جعل لازما أن الأول متعد للمفعول لكن بقطع النظر عن مفعوله فلا يذكر ولا يقدر، وأما الثاني فهو غير متعد والرحمة المفهومة من رحمن ورحيم لغة رقة في القلب وانعطاف تقتضي التفضل والإحسان، وهذا المعنى محال في حقه تعالى، فيجب حمله في حقه تعالى على الغاية لا على المبدأ، فالتفضل والإحسان غاية الرحمة والرقة مبدؤها، وكذا سائر أسماء الله المأخوذة من نحو ذلك إنما تؤخذ في حقه باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي هي انفعالات، فالرحمة في حقه إرادة التفضل بناء على أنها صفة ذات أو نفس التفضل بناء على أنها صفة فعل، فهي مجاز مرسل في الإحسان أو في إرادته بإطلاق اسم السبب على المسبب أو استعارة تمثيلية، وهي ما يكون وجه الشبه فيها منتزعا من