عدة أمور، بأن يمثل حاله تعالى بحال ملك عطف على رعيته ورق لهم فعمهم معروفه فأطلق عليه الاسم وأريد غايته التي هي الإحسان أو إرادته، ومن هنا يؤخذ أن الرحمن مجاز لا حقيقة له على نزاع بينهم من فن البيان يطول ذكره.
وإنما قدم الله على الرحمن الرحيم لأنه اسم. بخلافهما، والذات مقدمة على الصفات، وقدم الرحمن على الرحيم لأمور: منها اختصاصه بالبارئ بخلاف الرحيم، والخاص1 مقدم على العام2 والمختص المعرف بالألف واللام فلا يرد لا زلت رحمانا، أو أن المراد لا زلت ذا رحمة، فهو على حذف مضاف كما قاله ابن مالك، واعترض الجواب بأنه من تعنتهم في كفرهم فإنه غير مسلم.
ومنها أبلغيته دون الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع وقطع بالتشديد ولا ينتقض بحذر وحاذر، لأن هذا أكثري أو مشروط باتحاد نوع الاسمية، وحذر صفة مشبهة من صيغ المبالغة، وحاذر اسم فاعل، وأبلغية الرحمن إما باعتبار الكمية التي هي إفراد مدلوله التضمني وهو الرحمة، وإما باعتبار الكيفية التي هي قوة مدلوله التضمني وعظمته في نفسه.
ومنها أنه قيل: إنه علم أو صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره؛ لأنه وصف لمن وسعت رحمته كل شيء، وهذا لا يصدق على شيء من المخلوقات. ومنها ما تقدم من أن
ـــــــ
1 الخاص في اللغة: من خص الشيء يخصه خصوصا فهو خاص من باب قعد: ضد عم واختص مثله والخاصة خلاف العامة.
وفي اصطلاح الأصوليين: هو ما وضع لواحد منفرد أو كثير محصور سواء أكان الواحد باعتبار الشخص كزيد أو باعتبار النوع كرجل وفرس.
وإذا ورد في النص لفظ خاص ثبت الحكم لمدلوله ما لم يقم دليل على تأويله وإرادة معنى آخر منه وإن تعارض الخاص مع العام بأن دل كل منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر فذهب الشافعية إلى أن الخاص يخصص العام سواء علم أن الخاص متأخر عن العام أم تقارنا أم علم تأخره عن الخاص أم جهل التاريخ. وقال الحنفية: إن تأخر الخاص نسخ من العام بقدر ما يدل عليه وإن تأخر العام نسخ الخاص وإن جهل المتقدم يجب التوقف. إلا أن يترجح أحدهما على الآخر بمرجح. أنظر الموسوعة الفقهية 19/5, 6.
2 العام: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد من غير حصر.
وعرف بعض الأصوليين العام بأنه: لفظ يتناول أفرادا متفقة الحدود على سبيل الشمول.
والفرق بين العموم والعام: أن العام هو اللفظ المتناول والعموم تناول اللفظ لما صلح له فالعموم مصدر والعام اسم فاعل مشتق من هذا المصدروهما متغايران لأن المصدر الفعل والفعل غير الفاعل أنظر الموسوعة الفقهية 31/5.