فهرس الكتاب
وهي ما إذا أخذ صاحب الدين ممن عليه الدين سلعة في دينه ثم يردها له بشيء مؤخر من جنس الدين، وهو أكثر أو من جنسه ولو كانت قيمته أقل فإنه حرام؛ لأن ما خرج من اليد وعاد إليها يعد لغوا، وكأنه فسخ دينه ابتداء من شيء لا يتعجله، وهو حقيقة فسخ الدين في الدين، وهو حرام، سواء كان الدين المفسوخ في مؤخر قد تم أجله أو كان بقي منه شيء وأخره أزيد منه.
الثاني: إنما لم يعطف المصنف فسخ الدين على سابقه بل استأنف بإعادة العامل لينبه على ما قدمناه من أن فسخ الدين أشد الثلاثة في الحرمة، ويليه بيع الدين بالدين، وأخفها ابتداء الدين بالدين؛ لأنه يجوز في رأس المال التأخير ثلاثة أيام، وإنما كان فسخ الدين أشد في الحرمة؛ لأنه من ربا الجاهلية، والربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع. وأما الآخران فتحريمهما بالسنة.
ولما قدم أن السلم يجب فيه أن يكون المسلم فيه مؤجلا شرع هنا في مفهومه بقوله:"ولا يجوز"أي يحرم عليك"بيع ما ليس عندك على"شرط"أن يكون عليك"يا بائع الشيء الذي بعته والحال أنه ليس عندك"حالا"أي معجلا، فإن وقع فسخ؛ لأن الأصل فيما لا يجوز الفساد، وترد السلعة إن كانت قائمة، وسواء قال له: بع لي السلعة الفلانية من غير تعيين مالكها، أو قال له: بعني سلعة فلان، ومثل بعني أسلمك على السلعة الفلانية على أن تكون حالة عليك؛ لأن السلم الحال باطل، والدليل على حرمة بيع ما ليس عندك ما رواه أصحاب السنن الأربع أن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندي، فقال حكيم: يا رسول الله يأتيني الرجل فيريد مني بيع ما ليس عندي فأبتاع له من السوق، قال:"لا تبع ما ليس عندك"1 قال المتيوي وأشهب في تعليل ذلك النهي: لأنه إذا اشترى ما ليس عنده فكأنه أي المشتري لتلك السلعة ممن يبتاعها من الغير قال: خذ هذه الدراهم واشتر منها كذا وكذا على أن يكون لك ما فضل وعليك ما نقص، وفي هذا غرر، ولا سيما إذا عين له سلعة شخص وقال له اشترها مني؛ لأنه تارة يبيعها له وتارة لا يبيعها، وعلى فرض بيعها له قد يكون بثمن مثل الأول أو أقل أو أكثر، فإن أخذها من صاحبها بأكثر مما باعها به للأجنبي فيضيع عليه الزائد، وهو سفه، وإن باعها بكثير وقد كان اشتراها من صاحبها بقليل فيأكل الزائد بالباطل.
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه أبو داود، كتاب البيوع، باب: في الرجل يبيع ما ليس عنده، حديث"3503"، والترمذي، حديث"1232"، حديث"4613"، وابن ماجه، حديث"2187"، وصححه الألباني "ابن ماجه"2187"."