فهرس الكتاب
واختلف الناس في فهم الحديث، فمنهم من فهم أن السوم والبيع شيء واحد، وهو الزيادة في الثمن على عطاء الغير، ومنهم من فهم أنهما شيئان فالسوم الزيادة في الثمن، والبيع متعلق بالثمن الذي هو السلعة.
ومثاله أن يحضر شخص لصاحب سلعة ويريد شراءها منه فيأتي شخص آخر بسلعة ويقول لمن يريد الشراء المذكور: سلعتي هذه خير لك من سلعة فلان التي أردت شراءها، وأنا أرضى منك بما أعطيت في سلعة فلان. ولا شك في حرمة هذا؛ لأنه يؤدي إلى التباغض.
ولما كانت حرمة السوم مشروطة بما إذا كان البائع ركن إلى المشتري أشار إليه بقوله:"وذلك"أي ومحل حرمة السوم على سوم الغير"إذا ركنا"أي المتعاقدان أي بعضها إلى بعض، وفسر التراكن بقوله:"وتقاربا"بأن مال البائع إلى البيع والمشتري إلى الشراء بحيث لم يبق بينهما إلا الإيجاب والقبول باللفظ، فحينئذ لا يجوز لأحد أن يزيد على عطاء ذلك المشتري أو يعرض له سلعة أخرى يرغبه فيها حتى يعرض عن الأولى، وهذا التقييد من تفسير الراسخين، وبيان المتفقهين، فقد قال مالك في الموطإ: وتفسير قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ترى والله أعلم:"لا يبع بعضكم على بيع بعض"1 أنه إنما نهى عن أن يسوم الرجل على سوم أخيه إذا ركن البائع إلى السائم وجعل يشترط وزن الدراهم ويتبرأ من العيوب، وما أشبه ذلك ما يعرف به أن البائع ركن إلى المشتري، فهذا الذي نهي عنه والله أعلم.
وبين مفهوم إذا ركنا بقوله:"لا من أول التساوم"فلا ينهى عن ذلك فقد قال مالك رضي الله عنه: أما قبل التراكن والتقارب فجائز؛ لأنه لو ترك ذلك لدخل الضرر على الباعة في سلعهم؛ لأنه يؤدي إلى بخسها وبيعها بالنقص، وإنما صرح المصنف بذلك، وإن فهم من التقييد ردا على من كره التزايد في السلعة مطلقا مخافة الوقوع في النهي المذكور، وإنما يجوز السوم على سوم الغير قبل التراكن أو أراد السائم أن يشتريها، وأما لو قصد بسومها والزيادة في ثمنها غرور الغير فإنه يحرم لأنه يكون ناجشا، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله:"ولا تناجشوا".
"تنبيهات"الأول: تكلم المصنف عن النهي المذكور وسكت عما لو طلب مريد الشراء من
ـــــــ
1 أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب: النهي للبائع ألا يحفل الإبل والبقر، حديث"2150"، ومسلم، كتاب البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه، حديث"1412".