فهرس الكتاب
"إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله"1، وإجماع أهل المدينة على ذلك، ولذلك قال مالك رضي الله عنه: لم يبلغني أن أحدا كره تعليم القرآن والكتابة بأجرة، واحترز بالقرآن عن الفقه وغيره من العلوم كالنحو والأصول والفرائض فإن الإجارة على تعليم ما ذكر مكروهة. وفرق أهل المذهب بين جوازها على القرآن وكراهتها على تعليم غيره، بأن القرآن كله حق لا شك فيه، بخلاف ما عداه مما هو ثابت بالاجتهاد فإن فيه الحق والباطل، وأيضا تعليم الفقه بأجرة ليس عليه العمل بخلاف القرآن، وأيضا أخذ الأجرة على تعليمه يؤدي إلى تقليل طالبه.
"تنبيهات"الأول: كما يستحق المعلم الأجرة المسماة له يستحق الحذاقة، وهي المعروفة بالإصرافة إن اشترطت أو جرت بها العادة، ويقضى للمعلم بها على الأب إلا أن يكون اشترط عدمها.
قال خليل: وأخذها، وإن لم تشترط، كما قال شراحه: الضمير راجع للحذاقة المعروفة بالإصرافة ولا حد فيها على المذهب، والرجوع فيها إلى حال الأب من يسر وعسر، وينظر فيها أيضا إلى حال الصبي، فإن كان حافظا كثرت بخلاف غيره، ومحلها من السور ما تقرر به العرف نحو:"والضحى"و"سبح"و"عم"و"تبارك"فإن أخرج الأب ولده من عند المعلم قبل وصولها، فإن كان الباقي إليها يسيرا لزمت الأب، وإلا لم تلزم إلا بشرط فيلزم منها بحسب ما مضى، ولا يقضى بها في مثل الأعياد، وإنما تستحب، وإذا مات الأب أو الولد قبل القضاء بها سقطت، كما تسقط إذا مات المعلم ولا طلب لورثته بشيء.
الثاني: علم مما قررنا أن لا بأس في كلام المصنف المراد به الجواز بمعنى إلا إذا، فلا ينافي وجوب الإجارة على التعليم المذكور، إما لنفسه فيما يجب عليه حفظه، أو لتعليم الصبي الذي في كنفه من ولده أو خادمه، ومثلهما لزوجه، لما تقرر من أنه يجب على الولي أن يعلم نحو الصبي ما يعتقده في الله وفي الرسول، وكذا سائر ما جاءت به الرسل، وكذا معرفة ما يتعلق بصلاته وصيامه وطهارته، ويجب عليه أن يعلمه من القرآن ما يصلي به من فاتحة، ويسن تعليمه ما تحصل السنة، وما عدا ذلك فمندوب، والمراد بالولي ما يشمل القاضي، فإنه كالأب عند فقده وفقد الوصي وإن لم يكن فجماعة المسلمين.
الثالث: كما يقضى للمعلم بالإصرافة زيادة على الأجرة، يطلب منه زيادة على التعليم
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب: الشرط في الرقية بقطيع من الغنم، حديث"5737"، وتقدم برقم"91".