فهرس الكتاب
للقرآن تعليمه الأدب ولو بالضرب على ما يحصل منه من نحو سب وكذب وسرقة وغير ذلك مما يحرم فعله على المكلف، كما يضربه على الهروب من المكتب، ويرجع في الضرب والتأديب إلى اجتهاد المعلم، وهو يختلف باختلاف المتعلمين لاختلاف أحوالهم، ويطلب منه أيضا أن يلي تعليمهم بنفسه، فلا يجوز له أن يفوض تعليم بعضهم إلى بعض؛ لأنه ربما يجر إلى الفساد، ويجب عليه أن يعدل بينهم في محل التعليم وفي التعليم وفي صفة جلوسهم عنده، ولا يجوز له تفضيل بعض على بعض في شيء من ذلك، كما لا يجوز له قبول هديتهم أو يستخدمهم أو يرسلهم إلى نحو جنازة أو مولود ليقولوا شيئا ويأخذ منهم ما يدفع لهم، فإن فعل ذلك كان جرحة في شهادته وإمامته. إلا ما فضل من غذائهم مما تسمح به النفوس غالبا، وإلا ما كان من الخدمة معتادا، وخف بحيث لا يشغل الولد فيجوز، كما يجوز ترك تعليمهم في نحو الجمع والأعياد لئلا تسأم أنفسهم بدوام التعليم.
ولما كانت مشارطة الطبيب على البرء شبيهة بمسألة الإجارة على التعليم للقرآن على الحذاق باعتبار أنه لا شيء للعامل إلا بالتمام ذكرها عقبها بقوله:"ومشارطة الطبيب على البرء جائزة"والمعنى: أنه يجوز معاقدة الطبيب على البرء بأجرة معلومة للمتعاقدين، فإذا برئ المريض أخذها الطبيب، وإلا لم يأخذ شيئا، واتفقا على أن جميع الدواء من عند العليل؛ لأنه يجوز كونه من عند الطبيب، على أنه إن برئ العليل يدفع الأجرة وثمن الدواء، وإن لم يبرأ يدفع له قيمة الدواء فقط، وإنما لم تجز تلك الصورة لأدائها إلى اجتماع جعل وبيع، وهو لا يجوز. والحاصل أن المعاقدة على حفظ القرآن وعلى البرء وعلى استخراج الماء وكراء السفينة والمغارسة وهي إعطاء الرجل أرضه لمن يغرس فيها شيئا من الأشجار، وإذا بلغت حدا معروفا تصير الأرض والأشجار بينهما مشابهة للإجارة والجعالة، وبيان ذلك أنه لما كان العامل لا يستحق شيئا إلا بتمام العمل شابهت الجعالة، ولما كان إذا ترك الأول وكمل غيره العمل يكون للأول بحسابه لا بنسبة الثاني شابهت الإجارة، ولا يجوز اشتراط النقد في تلك الحالة لتردد المنقود بين السلفية والثمنية.
"تنبيه"علم مما قررنا أن موضوع كلام المصنف فيما إذا تعاقد على شرط حصول البرء.
وأما الاستئجار على المداواة في زمن المرض فعلى ثلاثة أقسام: قسم يجوز باتفاق، وهو استئجاره على مداواته مدة معلومة بأجرة معلومة، فإن تمت المدة وبرئ أو لم يبرأ فله الأجرة كلها، وإن برئ في نصف الأجل فله نصف الأجرة والدواء من عند العليل، ولا يجوز اشتراط