الثانية: يجوز لعامل المساقاة مساقاة غيره ولو أقل أمانة منه، ويحمل على ضد الأمانة فيضمن الأول موجب فعل الثاني إن حصل منه موجب الضمان، بخلاف ورثة العامل فإنهم محمولون على الأمانة، بخلاف ورثة عامل القراض فإنهم محمولون على عدم الأمانة؛ لأن المال مما يغاب عليه، بخلاف الشجر يمكن عدها وضبطها.
الثالثة: إن وقعت المساقاة فاسدة وجب فسخها قبل العمل مطلقا، وإن لم نطلع على فسادها إلا بعد الشروع في العمل فيفسخ أيضا في باقي المدة إن كان الواجب أجرة المثل، وذلك فيما إذا كان الفساد بسبب زيادة عين أو عرض لأحدهما على الآخر، وأما لو كان الواجب فيها مساقاة المثل فتمضي بالشروع في العمل، وذلك فيما إذا كان فسادها لحصول غرر أو نحوه من كل ما يفسد ولا يخرجها عن المساقاة، كمساقاة حائط حل بيعه ما لم يحل بيعه أو حائط بلغ، أو أن الإثمار مع ما لم يبلغه، ولا تبعية في الصورتين.
ولما فرغ من الكلام على ما ذكره من مسائل المساقاة، شرع في الكلام على المزارعة لقربها منها؛ لأن الأصل في كل منهما المنع، وإنما اجتزنا بالشروط رفقا بالأمة، وحقيقة المزارعة كما قال ابن عرفة: عقد على علاج الزرع، وما يحتاج إليه، والمراد بعلاجه عمله وبما يحتاج إليه بالآلة فقال:"والشركة في الزرع جائزة"وفي الزرع ثواب جسيم، فقد خرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما من مسلم يغرس غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة"1 ولعل الضمير في كانت للأكلة بضم الهمزة المفهومة من الفعل، وصدقة بالنصب خبر كانت، وهي هنا بمعنى صارت؛ لأنه أحد معانيها، وهذا على رواية كانت بالتاء، وأما على رواية كان له صدقة فتكون صدقة مرفوعة على أنها اسم كان وعقدها لا يلزم إلا بالبذر.
قال خليل: لكل فسخ المزارعة إن لم يبذر، وإنما كان عقدها منحلا كشركة التجر؛ لأنه قد قيل بمنعها مطلقا فإن حصل بذر لزمت، وظاهره ولو في بعض الأرض كما هو ظاهر قول خليل: إن لم يبذر، كما أن ظاهره لزومها بالبذور، ولو لم ينضم للبذر حرث، وأما الحرث بدون البذر فلا يمنع الفسخ.
وشرط عاقدها أن يكون فيه أهلية الاشتراك في التجارة بأن يكون من أهل التوكيل والتوكل،
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه مسلم، كتاب المساقاة، باب: فضل الغرس والزرع، حديث"1553"بلفظ:"ما من مسلم يغرس أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".