فإن قلت له التنزيه عن المثل يقتضي نفي المثل له تعالى وهو معارض لقوله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الروم: 27] قلت المثل المثبت له تعالى غير المثل المنفي فالمثل المنفي بمعنى المماثل والمقيس عليه والمثبت بمعنى الصفة بدليل قوله تعالى: {لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ} [النحل: 60] أي لهم صفة النقص وهي الحاجة إلى الولد وبدليل: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60] أي الوصف وهو الوجوب الذاتي والغني المطلق والجود الفائق والنزاهة عن صفات المخلوقات فتبارك الله رب العالمين.
قاله السنوسي في شرح الجزائرية ولما قدم بعض الصفات السلبية وهي الوحدانية المدلول عليها بواحد مما تقدم والمخالفة للحوادث المعبر عنها بنفي الشبيه والنظير ذكر هنا صفتين وهما القدم والبقاء معبرا عنهما بقوله ليس لأوليته أي لوجوده ابتداء لأنه قديم بالذات وهو موجود لا ابتداء لوجوده لامتناع أن يسبق وجوده عدم لأن القدم عبارة عن عدم الأولية للوجود لئلا يلزم حدوثه ومن لازم الحدوث الافتقار إلى محدث ويلزم التسلسل وهو محال وحاصل المعنى أنه يجب على المكلف اعتقااد أن الله تعالى قديم لم يسبق بعدم وقيدنا القدم بالذاتي لأنه المختص به تعالى لرجوعه إلى وجوب الوجود فهو صفة نفسية للاحتراز عن القدم الزماني بمعنى مرور الأزمنة على الشيء مع بقائه فهذا محال عليه تعالى.
ومنه: {كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] والحاصل أن القدم على أربعة أقسام ذاتي كقدم الواجب والوجود وزماني كقدم زمان الهجرة بالنسبة لليوم وإضافي كقدم الأب بالنسبة للابن وسلبي كقدم وجوده تعالى بمعنى سلب سبق العدم لوجوده تعالى.
ولا يجوز أن يكون لآخريته أي بقاءه انقضاء أي فراغ الامتناع لحوق العدم لما ثبت له تعالى من وجوب القدم لأنه تقرر أن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه لأنه لو قدر لحوق العدم له تعالى لكانت نسبة الوجود والعدم إلى ذاته تعالى سواء فيلزم افتقار وجوده إلى موجد يخترعه بدلا عن العدم الجائز عليه فيكون حادثا واللازم باطل فكذا الملزوم لما تقرر من وجوب الوجود له تعالى وحاصل المعنى أنه يجب على المكلف اعتقاد أن الله باق لا يلحقه عدم لأن البقاء عدم انتهاء الوجود أو نفي العدم اللاحق للوجود ولعل المصنف كنى عن القدم والبقاء بلفظ الأولية والآخرية إشارة إلى قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3] .
لكن لما كان لفظ الآية يوهم ابتداء الأولية وانقضاء الآخرية على ما هو معهود في كل أول وفي كل آخر بين المؤلف المراد بقوله ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء وقول صاحب