فهرس الكتاب
كلام الله المعبر عنه بالقرآن صفة ذاته القديمة فلا تنفك عنها كسائر صفات الذات وقصد بذلك الرد على المعتزلة القائلين بخلق الكلام مستدلين على ذلك بأمرين أحدهما أنه علم بالضرورة حتى للصبيان والعوام أن القرآن هو اللفظ المنزل على محمد المنتظم من الحروف المسموعة المفتتح بالتحميد المختوم بالاستعاذة وعليه انعقد إجماع السلف والخلف ولا شك في أن هذا حادث ومخلوق.
والأمر الثاني أنه قد اشتهر وصفه بخواص كالبلاغة والفصاحة والتقدم والتأخر وهذا أيضا من عوارض الحوادث وأجاب أهل السنة عما تمسكت المعتزلة بأن كل ما دل على الحدوث يجب حمله على اللفظ الدال على المعنى القائم بالنفس المحكوم عليه بأنه قديم ولذلك قال صاحب الجوهرة ونزه القرآن أي كلامه عن الحدوث واحذر انتقامه وكل نص للحدوث دلا احمل على اللفظ الذي قد دلا وإنما فسر المصنف القرآن بكلام الله خوفا من تبادر الذهن إلى اللفظ لشهرة استعمال لفظ القرآن في اللفظ كما اشتهر لفظ الكلام في المعنى.
والحاصل أن النزاع بين أهل السنة والمعتزلة في إثبات الكلام النفسي ونفيه فأهل السنة تثبته والمعتزلة تنفيه دليلنا أنه ثبت بالكتاب وبالاجماع وتواتر النقل عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه تعالى متكلم ولا معنى له سوى أنه متصف بالكلام ويمتنع قيام اللفظ الحادث بذاته تعالى فيتعين النفسي القديم والمعتزلة لما لم يمكنهم إنكار كونه تعالى متكلما ذهبوا إلى أن معنى كونه متكلما أنه موجد للحروف والأصوات في غيره وكلامهم باطل لأن المتكلم من قام به صفة الكلام لا من أوجده في غيره كما أن القائم من قام به القيام ووجد منه لا من أحدثه في غيره.
"تنبيهات"الأول القرآن وزنه فعلان بمعنى مفعول من قرأت الشيء قرآنا جمعته أو من قرأت الكتاب قراءة وقرآنا تلوته لأنه مجموع ومتلو وحقيقته عند الفقهاء والقراء والأصوليين والعامة اللفظ المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بأقصر صورة منه المتعبد بتلاوته المحتج بأبعاضه فخرج بقيد اللفظ المنزل الأحاديث غير القدسية فالحق أن النازل فيها المعنى دون اللفظ وبقيد على محمد التوراة فإنها أنزلت على موسى والإنجيل فإنه أنزل على عيسى والزبور فإنه أنزل على داود.
ويفيد الإعجاز الذي هو صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه الرسالة مجازا عن إظهار عجز المرسل إليهم عن معارضة الأحاديث الربانية ويقال لها القدسية كحديث:"أنا عند ظن عبدي بي"فإنها