فهرس الكتاب
وسبق علمه تعالى به أي بالمذكور من قول أو عمل لما تقدم من أن علمه تعالى محيط بالأشياء قبل وجودها وإنما أتى بهذه الجملة مع علم معناها من قوله قبلها علم كل شيء الخ زيادة في الرد على من ينكر علمه تعالى بتفاصيل الأشياء تعالى الله عن أن يخفى عليه شيء في الأرض أو في السماء.
وفي قوله: سبق علمه به الرد على القدرية الأولى الذين ينكرون علم البارى ء بأعمال العباد قبل وقوعها منهم وإنما يعلمها بعد وجودها منهم قال القرطبي وهؤلاء قد انقرضوا والفرقة الأخرى الموجودة اليوم مطبقة على أن الله يعلم بأفعال العباد قبل وقوعها وإنما خالفوا السلف في قولهم إن أفعال العباد مخلوقة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال وهو مذهب باطل أيضا إلا أنه اخف من الأول لكفر أصحاب الأول.
"تنبيهات"الأول قد علم مما ذكرنا أن الرضا بالقضاء واجب مطلقا وأما المقضي فالرضا به بحسب حكمه فالرضا بالواجب كالإيمان واجب والرضا بالمندوب مندوب وبالحرام حرام وبالمباح مباح والحاصل أن الرضا بالكفر إنما يكون كفرا إذا رضي به من حيث ذاته لا من حيث أن الله قضاه قاله الغزالي ووضحه السيد بقوله إن للكفر نسبة إلى الله باعتبار إيجاده له ونسبه إلى المخلوق باعتبار تحليته به وإنكاره إنما يجب باعتبار النسبة الثانية دون الأولى والرضا به إنما يجب باعتبار النسبة الأولى دون الثانية فإذا ابتلى الله الإنسان بالمرض فتألم منه بمقتضى طبعه مع كونه لم ينسب للبارى ء جورا فهذا عدم رضا بالمقضي لا بالقضاء وإن قال لم أفعل شيئا حتى أستوجب هذا فهذا عدم رضا بالقضاء فنحن مأمورون بالرضا بالقضاء ولا نتعرض لجهة ربنا إلا بالإجلال والتعظيم ولا نتعرض لما هو من سلطنته وقهره لآنه خالقنا ومالكنا ففعله المخالف لطبائعنا ومشتهانا لا يعد ظلما لأن الظلم تصرف الفاعل في غير مملوكه.
وأما خطابنا وأمرنا بأن تطيب لنا البلايا والرزايا ومؤلمات الحوداث فلم ترد الشريعة بذلك إذ الوارد تكليف الإنسان بما في وسعه من الطاعات فلا يجب على نحو الأرمد والمجزم أن يستطيب مرضه بل ذم الله قوما لا يتألمون بذلك بل المطلوب التألم ليطلب من الله رفع ذلك ويلجأ إليه نقدم ذم الله من لم يبال بالشدائد بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76] فمن لم يستكن ويظهر الجزع ويسأل ربه الإقالة من الشدة فهو جبار عنيد هذا محصل كلام السيد ولا يضر في هذا ما وقع من بعض الأكابر في حال اشتداد