فهرس الكتاب
مرضه من طلب الزيادة حيث قال اللهم يا رب إن كان في هذا رضاك فزدنا منه لإمكان حمله على نحو الأنبياء والله أعلم.
الثاني: المقضى أثر القضاء والمقدور أثر القدرة وإنما أطلنا في ذلك لداعي الحاجة إلى بيانه ثم استدل على عموم تعلق علمه بسائر الكائنات بقوله: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14] معنى هذا التركيب أن الله تعالى يعلم سائر المخلوقات وما يصدر منها من قول أو فعل لأن الصانع لشيء يعلم ما أوقع صنعته عليه لأن ألا هذه مركبة من همزة الاستفهام الإنكاري ولا النافية ومعناها تحقيق ما بعدها لأن الاستفهام إذل دخل على نفي أبطله وأفاد الإثبات والتقدير هو المقصود ويستحيل أن يكون الاستفهام على بابه لاستحالته على الله.
ومن في محل رفع على الفاعلية ليعلم والمفعول محذوف والتقدير: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14] أي الذي خلق مخلوقه فيكون المفعول محذوفا للعموم المتناول للعاقل وغيره فيشمل أعمال العباد هذا قول أهل السنة وقالت المعتزلة من في محل نصب على المفعولية ليعلم وفاعله ضمير مستتر فيه عائد على الله.
والتقدير: ألا يعلم الله من خلق ومن للعاقل فالله يعلم عبادة دون أفعالهم وهذا مذهب باطل بشهادة قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الأنعام: 73] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 3] وغير ذلك من الآيات الدالة على إحاطة علمه بجميع الأشياء حتى حقيقة ذاته وصفاته.
ولا يعارض هذا الإتيان بمن لأنه ليس المراد من كونها لمن يعقل أنها لا تستعمل في غيره مطلقا لئلا يخالف ما نصوا عليه من استعمالها في غيره إما للتغليب نحو {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أو لاقترانه بغير العاقل في عموم فصل بمن نحو: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} [النور: 45] أو لأجل التشبيه نحو اسرب القطا هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب علم العربية.
وحاصل مذهب أهل السنة أن الله تعالى عالم بجميع المخلوقات وبأفعالها بعد خلقها وقبل خلقها خلافا للقدرية الأولى من المعتزلة في قولهم: أن الله لم يسبق علمه بالأشياء قبل وجودها ويزعمون أن الله لم يقدر الأمور أزلا ولم يتقدم علمه بها وإنما يأتنفها حال وقوعها ولا شك في كفر هؤلاء ولذلك قرضهم الله تعالى ولم يبق الآن منهم أحد.