فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 1223

"وهو"أي الله تعالى مع كونه خالقا لسائر العباد وعلما بما أكنته صدورهم من خير أو شر اللطيف بهم في سائر تقلباتهم فلطيف بمعنى ملطف أي محسن وموصل لعباده النعم برفق ومن لطفه أن أعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة وقيل بمعنى الباطن وهو الذي لا يتصور في الأوهام ولا يتخيل في الضمائر فهو اسم تنزيه وقيل معنى اللطيف العالم بخفيات الأمور وغوامضها والمراد الخفاء بالنسبة إلينا وأما الله تعالى فنسبة جميع الكائنات إليه سواء وهو أيضا الخبير أي العليم بهم والمطلع على أفعالهم المشاهد لها ثم استدل على من سبق من قوله: لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا قد قضاه الخ بقوله:"يُضِل"سبحانه وتعالى"من يشاء"إضلاله"فيخذله"أي يصيره مخذولا ضالا.

"بعدله ويهدي من يشاء"هدايته"فيوفقه"أي يصيره موفقا مهديا بفضله لما تقدم من أن الضلال والخذلان بمعنى واحد وهو خلق قدرة المعصية في العبد والهداية والتوفيق بمعنى أيضا وهو خلق القدرة على الطاعة والمراد بالقدرة العرض المقارن للفعل لا مجرد سلامة الآلات فلا يرد الكافر وإنما لم يقل فيضله في الأول ويهديه في الثاني لمجرد التفنن ولركاكة تكرار اللفظ والعدل تصرف المالك في ملكه من غير حجر عليه والفضل إعطاء الشيء من غير انتظار عوض عليه في الحال ولا في المآل ويخذل على وزن ينصر فهو بضم الذال.

قال تعالى: {وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160] ثم فرع على قوله يضل الخ قوله فكل ميسر بالتنوين مبتدأ وخبر والتنوين عوض عن المضاف إليه لأن التقدير فكل شيء من الهداية والإضلال والتوفيق والخذلان مهون ومسهل بتيسيره وتسهيله سبحانه وتعالى ويصح إضافة كل المبتدأ إلى ميسر والخبر بتيسيره"إلى"نيل"ما سبق من علمه"أي في علمه وإرادته ثم بين عموم ما يقوله"من"شقاوة"شقي أو"سعادة"سعيد"وحقيقة الشقاوة المضرة اللاحقة في العقبى فمن أراد له في الأزل الشقاوة سهل عليه عمل أهلها وحقيقة السعادة المنفعة اللاحقة في العقبى فمن أراد له تعالى في سابق علمه السعادة تسهل عليه عمل أهلها وكل ما سبق في علمه وتعلقت به إرادته لا محالة في وقوعه إذ لا تغيير ولا تبديل فيما تعلق علمه بوقوعه بخلاف ما في اللوح المحفوظ فإنه قد يتغير قال الله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] وهو أصله الذي لا تغيير فيه ولا تبديل والسعيد شرعا عند الأشاعرة من يموت على الإيمان وإن كان كافرا والشقي من يموت على الكفر ولو كان مؤمنا فهما أزليتان أي مقدرتان في الأزل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت