فهرس الكتاب
الأستاذ أفيعصى ربنا قهرا فقال له عبد الجبار أرأيت إن منعنى الهدى وقضى علي بالردى أحسن لي أم أساء؟ فقال الأستاذ: إن منعك ما هو لك فقد أساء وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء فانصرف الحاضرون وهم يقولون والله ليس عن هذا جواب الثاني إنما أتى بقوله أو يكون خالق لشيء إلا هو وإن علم مما قبله للرد صريحا على من يعتقد أن العبد يخلق أفعال نفسه إما بغير واسطة الأقدار وهو مذهب باطل إذ العبد كاسب والخالق هو الله تعالى.
"و"كما يجب اعتقاد أنه تعالى لا يقع في ملكه خير أو شر إلا بإرادته وأنه لا غنى لأحد عنه لأنه رب العباد ورب أعمالهم يجب اعتقاد أنه تعالى"المقدر"بكسر الدال بمعنى المحدد والمعين"لحركاتهم"وسكناتهم وإنما اقتصر على الحركة لأنها أظهر في الوجود وحقيقة الحركة الانتقال من حيز إلى حيز وقيل الحركة حصول الجوهر في مكانين بخلاف السكون فإنه حصول ذلك في مكان واحد.
"و"المقدر ل"آجالهم"جمع أجل وهو زمن الحيوان ووقته الذي كتب الله في الأزل موته بانقضائه سواء مات بقتل أو مات على فراشه وكل من مات إنما مات بانقضاء أجله خلافا للمعتزلة في قولهم إن القاتل قطع على المقتول أجله وأنه لو لم يقتل لعاش.
قال في الجوهرة: وميت بعمره لم يقتل وغير هذا باطل لا يقبل دليلنا قوله تعالى: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ} [نوح: 4] وقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]
ومعنى لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون أنهم لا يستطيعون تغييره وتكون جملة ولا يستقدمون معطوفة على جملة لا يستأخرون فمجموع الجملتين هو جواب الشرط على حد الرمان حلو حامض فإن مجموع حلو حامض هو الخبر لأن المراد مز أي أخذ طرفا من الحلاوة وطرفا من الحموضة وكذلك هنا إذا جاء الأجل لا يستطيعون تغييره واحتج المعتزلة على قبول العمر الزيادة والنقصان بما ورد قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الصدقة والصلة يعمران الديار ويزيدان في العمر".
وبظاهر قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11] وبوجوب الدية أو القصاص واستحقاق الفاعل الذم والعقاب في الجناية واجيب عن ذلك بما قاله النووي إن هذه الزيادة محمولة على البركة أو على حقيقتها لكن بالنظر إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ فإنه قد يكون مكتوبا فيه العمر فلان عشرون سنة ويكون في علم الله ستين