فهرس الكتاب
للذوات.
ـــــــ
وقد ذكر الزركشي هنا تنبيهين:
أحدهما: أن هذا لا يختص بحقوق الله تعالى بل يجري في حقوق الآدميين ففي تعليق القاضي حسين: لو أن رجلا قتل رجلا وادعى الجهل بتحريم القتل وكان مثله يخفى عليه ذلك يقبل قوله في إسقاط القصاص وعليه الدية مغلظة قال الزركشي: وفيما قاله القاضي نظر قوي.
الثاني: أن إعذار الجاهل من باب التخفيف لا من حيث جهله. ولهذا قال الشافعي: لو عذر الجاهل لأجل جهله لكان الجهل خيرا من العلم إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف ويريح قلبه من ضروب التعنيف فلا حجة للعبد في جهله بالحكم بعد التبليغ والتمكين {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] قال القاضي حسين: كل مسألة تدق ويغمض معرفتها هل يعذر فيها العامي وجهان: أصحهما نعم.
الجهل بمعنى اللفظ مسقط لحكمه: إذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو إيمان أو طلاق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو نحوه ولا يعرف معناه لا يؤاخذ بشيء منه لأنه لم يلتزم بمقتضاه ولم يقصد إليه وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه العبارة بلفظ أعجمي لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ. نعم. لو قال الأعجمي: أردت به ما يراد عند أهله فوجهان: أصحهما كذلك لأنه لم يرده فإن الإرادة لا تتوجه إلا إلى معلوم أو مظنون لأنه إذا لم يعرف معنى اللفظ لم يصح قصده ولو نطق العربي بكلمات عربية لكنه لا يعرف معانيها في الشرع مثل قوله لزوجته: أنت طالق للسنة أو للبدعة وهو جاهل بمعنى اللفظ أو نطق بلفظ الخلع أو النكاح ففي القواعد للشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه لا يؤاخذ بشيء إذ لا شعور له بمدلوله حتى يقصده باللفظ قال: وكثيرا ما يخالع الجهال من الذين لا يعرفون مدلول لفظ الخلع ويكمون بصحته للجهل بهذه القاعدة.
من علم تحريم شيءوجهل ما يترتب عليه؟
كل من علم تحريم شيء وجهل ما يترتب عليه لم يفده ذلك كمن علم تحريم الزنا والخمر وجهل وجوب الحد يحد بالاتفاق لأنه كان حقه الامتناع وكذا لو علم تحريم القتل وجهل وجوب القصاص يجب القصاص أو علم تحريم الكلام في الصلاة وجهل كونه مبطلا يبطل أو علم تحريم الطيب على المحرم وجهل وجوب الفدية تجب.
الجهل عذر في المنهيات في حقوق الله تعالى:
الجهل عذر في حق الله تعالى في المنهيات دون المأمورات والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة ولم يؤمر بالإعادة لجهله بالنهي وحديث يعلى بن أمية حيث أمر صلى الله عليه وسلم أعرابيا بنزع الجبة عنه وهومحرم ولم يأمره بالفدية لجهله واحتج به الشافعي على أن من وطئ في الإحرام جاهلا فلا فدية عليه والفرق بينهما من جهة المعنى أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها وذلك لا يحصل إلا بفعلها والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانا للمكلف بالانكفاف عنها وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها ومع الجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي فعذر بالجهل فيه.
أما في حقوق الآدميين فقد لا يعذر كما لو ضرب مريضا جهل مرضه ضربا يقتل المريض يجب القصاص في الأصح بخلاف مالو حبس من به جوع وعطش ولم يعلم بحاله مدة لا يموت فيها الشيعان عند الحبس فلا قصاص وكأن الفرق أن أمارات المرض لا تخفى بخلاف الجوع أنظر الموسوعة الفقهية 16/197- 202, ومعجم المصطلحات والألفاظ الفقهية 1/544, 545, ومن مصادره: تهذيب الأسماء واللغات 3/56, 57, وفتح الغفار بشرح المنار 3/102, 103.