فهرس الكتاب
المثناة فوق وبالمثلثة وبالنون وبالهمز من أوله فيقال تاب وثاب وناب وأناب وآب إذا رجع ويسند إلى الله وإلى العبد قال تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122] ثم تاب عليهم ليتوبوا.
فإذا أسند إلى العبد أريد به رجوعه عن الزلة إلى الندم وإذا أسند إلى الله أريد به رجوع لطفه ونعمته إلى عبده وحقيقتها اصطلاحا وشرعا الندم على المعصية من حيث هو معصية مع عزم أن لا يعود إليها إذا قدر فمن ندم على شرب الخمر لما فيه من الصداع أو لإضاعة المال لم يكن تائبا وقولنا مع عزم أن لا يعود زيادة تقرير لأن النادم على الأمر لا يكون إلا كذلك ولذلك ورد في الحديث"الندم توبة"1 وقولنا إذا قدر لأن من سلب القدرة على الزنا مثلا وانقطع طمعه من عود القدرة إليه فيكفي في توبته الندم على ما فعل وتصح توبته بإجماع المسلمين كما يفهم من كلام الآمدي وأما الندم لخوف النار أو للطمع في الجنة فهل يكون توبة فيه تردد مبني على أن ذلك هل يكون ندما عليها لقبحها مع غرض آخر.
والحق أن جهة القبح إن كانت بحيث لو انفردت لتحقق الندم فتوبة وإلا فلا تكون توبة كما إذا كان الغرض مجموع الأمرين وجرى الخلاف في قبول التوبة عند المرض والظاهر من كلام النبي صلى الله عليه وسلم قبولها ما لم تظهر علامات الموت وحقيقة الندم تحزن وتوجع على الفعل وتمني كونه لم يقع وقال النووي التوبة ما استجمع ثلاثة شروط أن يقلع عن المعصية وأن يندم على فعلها وأن يعزم عزما جازما أن لا يعود إلى مثلها أبدا فإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فلها شرط رابع وهو رد المظالم إلى أهلها أو تحصيل البراءة منه وأصلها الندم وهو ركنها الأعظم وإذا لم يرد المظالم مع الإمكان فصحح الإمام توبته مع الجمهور.
وقيل إنها لا تصح إلا برد المظالم إلى أهلها فإن عجز لفقده أو لغيبة صاحبها أو موته يبرأ بتصدقه به عنه إن أمكنه وإلا فعليه بتكثير حسناته والتضرع إليه أن يرضى عنه خصمه ومن القتل بتمكينه نفسه من القصاص. وفي الغيبة والشتم والتفكير والتبديع بتكذيب نفسه عنده إن لم يخش فتنة وقال مالك لا يشترط وعن الإسنوي في بعض كتبه وكذلك السنوسي في بعض مؤلفاته التوبة من الغصب
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه ابن ماجة كتاب الزهد باب: ذكر التوبة حديث 4252, وأحمد 1/376, حديث 3568. وانظر صحيح الجامع 680.