فهرس الكتاب
وأما غير هؤلاء الثلاثة فقد قال تعالى في حقهم: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} وغير ذلك قال ابن ناجي: والحق أن التخفيف عن أبي طالبٍ إنما هو بالشفاعة، ولعل التخفيف الحاصل لهؤلاء الجماعة إنما هو فيما يستحقونه من العذاب بجنايتهم التي ارتكبوها سوى الكفر، وأما عذاب الكفر فلا يخفف ولا يفتر ولا يغفر كما قدمنا.
الثاني: جعلنا صلة يعمل بقلبه أو غيره ليشمل عمل القلب الهم لما في الحديث:"من هم بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملةً. وإن هم بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسناتٍ إلى سبعمائةٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ بحسب مراتب الإخلاص"1.
وأما ما يقع من النفس على قصد المعصية فهو على خمس مراتب: الهاجس وهو ما يلقى فيها والخاطر وهو ما يجري فيها، وحديث النفس وهو التردد هل يفعل أو يترك، والهم وهو أن يترجح عنده قصد الفعل، والعزم وهو قوة القصد والجزم به، فالهاجس لا يؤخذ به إجماعًا؛ لأنه يطرقه قهرًا عليه وكذا ما بعده من الخاطر، وحديث النفس وإن قدر على دفعهما لا يؤخذ بهما لحديثٍ:"إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به"2 وإذا تجاوز عن حديث النفس فما قبله أولى، فالحاصل أن الثلاثة مرفوعة إلى جانب المعصية ولا أجر فيها في جانب الحسنة لعدم القصد، وأما الهم فتفترق فيه الحسنة من السيئة، فقد بين في الحديث: أنه بالحسنة يكتب له حسنة وبالسيئة لا يكتب عليه سيئة، ولا ينظر في الترك إن كان ترك السيئة لله كتب له حسنة ولا يكتب عليه سيئة بالهم.
وأما العزم على المعصية فالمحققون على المؤاخذة به لكن تكتب عليه سيئة مطلقة حيث تركها لغير خوف الله، ولا تكتب عليه المعصية التي عزم عليها، وإن كان يعتبر العزم في جانب السيئة فيعتبر في جانب الحسنة بالأولى، ويظهر لي على مقتضى كرمه تعالى في جانب السيئة أن يكتب له ثواب الحسنة المعزوم عليها لا حسنةً مطلقةً وحرره.
الثالث: قال ابن السبكي دقيقة وهي أن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهم مشروط بعدم التكلم والعمل، وأما لو انضم لهما فعل فإنه يؤاخذ بالهم والعمل ولا تفهم أنه يؤاخذ بالعمل
ـــــــ
1 صحيح أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب: إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة حديث 130, وأحمد 1/279, حديث 2519.
2 صحيح: أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب حديث 127, وابن ماجه حديث 2040, وأحمد 2/393, حديث 9097.