فهرس الكتاب
وله عليه الصلاة والسلام شفاعات أعظمها وأهمها شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف بعد أن يتكلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حين يعاينون من شدائد الموقف وأهواله وطول القيام فيه لرب العالمين، وزيادة القلق وتصاعد العرق ما يذيب الأكباد وينسي الأولاد مدة ثلاثة آلاف سنةٍ، فيترادونها من آدم إلى عيسى في خمسة آلاف سنةٍ، إذ بين سؤال نبي وآخر ألف سنةٍ كما قاله ابن حجرٍ والقرطبي وغيرهما، فإذا انتهوا إليه صلى الله عليه وسلم قال:"أنا لها أنا لها أمتي أمتي"1 وكل من قبله لا يقول إلا نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري فيشفع فيشفع، وهذه مختصة به عليه الصلاة والسلام وتسمى الشفاعة العظمى وهي أول المقام المحمود، خاصةً به وعامةً في جميع الخلق يوم الوقوف للحساب، وهذه مجمع عليها وهي للإراحة من طول الوقوف حيث يتمنوا الانصراف من موقفهم ولو إلى النار، ومن شفاعاته أنه يشفع في إدخال جماعةٍ الجنة من غير حسابٍ، ويشفع في قومٍ استوجبوا النار فلا يدخلونها، وفي جماعةٍ دخلوها فيخرجون منها وهي المرادة هنا في كلام المصنف، ويشفع لجماعاتٍ في رفع درجاتٍ، ويشفع لعمه أبي طالبٍ في تخفيف العذاب عنه بأن نقل من غمراتٍ إلى ضحضاحٍ كما في الحديث.
"تنبيهات"الأول: علم مما ذكرنا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم له شفاعات كثيرة، وأنه أول شافعٍ وأنه مقبول الشفاعة قطعًا، كما أنه أول واردٍ الجنة، وأول واردٍ المحشر، وأول من تنشق عنه الأرض، وإنما أنكر الشفاعة بعض المعتزلة متمسكين بظواهر آياتٍ منها: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] ومنها: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] ومنها:"لا ينال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي"2. وأجاب أهل الحق بأن معنى {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] أي ارتضاه للشفاعة له وهم الموحدون، والمراد بالظالم الكافر، والحديث موضوع باتفاق النقلة وعلى تسليمه على المرتدين.
قال بعض أئمتنا: وحقيق على من أنكرها أن لا ينالها.
الثاني: يجوز للعبد أن يطلب من الله أن يكون ممن تناله شفاعة المصطفى ولو لم يكن مذنبًا، لما مر من أنها تكون لرفع الدرجات ولدخول الجنة من غير سبق عذابٍ، ولا يلتفت إلى قول من يقول: إنها لا تكون إلا للمذنبين. قال العلامة ابن رشدٍ: ولا يأنف أحد أن يقول:
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب التوحيد باب: كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء حديث 7510, ومسلم كتاب الإيمان باب: أدنى أهل الجنة منزلة منزلة فيها حديث 193.
2 موضوع: أسنى المطالب 1/166, وقال: لم يصح وهو من أكاذيب المعتزلة.