فهرس الكتاب
حمل الآيات الصريحة كقوله تعالى: {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 15] و {جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] .
ومن السنة:"عرضت علي الجنة فتناولت منها عنقودًا"1 وغير ذلك من الآيات والأحاديث فإنها صريحة في أن المراد بها دار الثواب، وأن آدم المراد به أبو البشر عليه الصلاة والسلام وهو نبي الله وخليفته.
تنبيهان: الأول: علم مما مر أنه لا يجوز إنكار وجود الجنة الآن، فمن أنكر وجودها الآن وفي المستقبل فهو كافر كالفلاسفة، وأما من أنكر وجودها الآن ويعترف بوجودها فيما يستقبل كأبي هاشمٍ وعبد الجبار من المعتزلة فهم مبتدعة، وتمسكهم بأنها لو كانت موجودةً لهلكت لعموم: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88] مردود بأنها من المستثنيات التي لا تهلك كالنار والعرش والكرسي والقلم واللوح.
الثاني: وقع خلاف في محلها كالنار فقال بعض: لا يعلم محلهما إلا من أحاط بكل شيءٍ علمًا، ولعل هذا أحسن الأقوال لعدم ورود الدليل القاطع بتعيين محلهما، وقال بعض: الجنة فوق السموات السبع، والنار تحت الأرض السابعة، وقيل: جهنم محيطة بالدنيا والجنة من ورائها، فلذلك ضرب الصراط على جهنم طريقًا إلى الجنة.
وفي الحديث أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: تدعوني إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال عليه الصلاة والسلام:"سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار"2 وكما من الله سبحانه على المؤمنين بخلق الجنة خصهم بها"وأكرمهم فيها بالنظر"بأبصارهم"إلى وجهه الكريم"المراد بالوجه الذات عند الجمهور، وضمير الجمع لأوليائه، والمفرد المؤنث للجنة، والمذكر لله تعالى.
قال في الجوهرة: ومنه أن ينظر بالأبصار لكن بلا كيفٍ ولا انحصارٍ فينكشف لهم انكشافًا تاما منزهًا عن المقابلة والمواجهة؛ لأن الرؤية عند أهل الحق قوة للمؤمنين يجعلها الله في
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة حديث 748, ومسلم كتاب الكسوف باب: ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم حديث 907, والنسائي حديث 1493, وأحمد 1/298, حديث 2711.
2 صحيح: أخرجه أحمد في المسند 3/441, حديث 15693, والحاكم في المستدرك 1/92, حديث 103 وصححه وقال على شرط الشيخين.