فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 1223

خلقه ينكشف لهم بها المرئي ولا تستدعي جرميةً ولا جهةً ولا مقابلةً، وإنما تستدعي مطلق محل تقوم به، وإن جرت العادة بالمقابلة والمواجهة في رؤية بعضنا فإنما ذلك على جهة الاتفاق لا الشرطية، ألا ترى أنا نعلمه سبحانه لا في جهةٍ ولا مكان؟ والمعول عليه في إثبات الرؤية عند أهل السنة الدليل السمعي كالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب فقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22, 23] وآية: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] فلولا أنها جائزة ما طلبها موسى عليه الصلاة والسلام، وأيضًا الله تعالى علق رؤية ذاته على استقرار الجبل وهو ممكن فتكون رؤية ذاته ممكنةً.

وقال مالك رضي الله تعالى عنه: لولا أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة لما عير سبحانه الكفار بالحجب عن رؤيته بقوله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] .

وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: لو لم يوقن محمد بن إدريس بأنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا، وأما السنة فحديث:"إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر"1 وأما الإجماع فهو أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مجمعين على رؤيته في الآخرة، وإنما أنكرها المعتزلة متمسكين بشبهة المقابلة التي تقريرها: لو كان مرئيا لكان مقابلًا للرائي بالضرورة فيكون في جهةٍ وحيزٍ وهو محال، وجوابها المقابلة إنما هي شرط في رؤية المخلوق، وقياس الغائب على الشاهد غير صحيحٍ لتوقفه على معرفة حقيقة الغائب وصفته وهي غير ممكنةٍ لنا، وتمسكوا أيضًا بشبهةٍ سمعيةٍ وهي قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] وجوابها أن الإدراك أخص من مطلق الرؤية، إذ الإدراك الإحاطة بالمدرك وهي محالة على الله، ولذا قال تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] ولم يقل لا تراه، وإلى الجواب عن الشبهة الأولى أشار صاحب الجوهرة بقوله: بلا كيفٍ، وعن الثانية بقوله: ولا انحصارٍ.

تنبيهات: الأول: علم من تخصيص الإكرام بالنظر في الجنة قصر الرؤيا فيها على المؤمنين وظاهره تناول النساء؛ لأنهن شقائق الرجال، وأما الكفار فلا يرونه لعدم دخولهم الجنة، وأما في عرصات القيامة فقيل عامة وقيل خاصة بالمؤمنين وسيأتي ما فيه، وأما الحيوانات التي

ـــــــ

1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب مواقيت الصلاة باب: فضل صلاة العصر حديث 554, ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما حديث 633, وأبو داود حديث 4729, والترمذي حديث 2554, وابن ماجه حديث 177, وأحمد 2/293, حديث 7914.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت