فهرس الكتاب
والأقفهسي والشاذلي التكفير، وقال القاضي عياض: وأما مسائل الوعد والوعيد والرؤية وخلق الأفعال وبقاء الأعراض والتولد وشبهها من الدقائق فالمنع من إكفار المتأولين فيها أوضح، إذ ليس في الجهل شيء منها جهل بالله، ولا أجمع المسلمون على تكفير من جهل شيئًا منها، نعم يؤدب ويفسق إن لم يتب، وأما من لا تأويل عنده أصلًا وهو العابد، والجاهل الذي لم يستند إلى شبهةٍ فيكفر، والله أعلم.
ولما جرى خلاف في الجنة التي يحصل فيها النظر هل هي في الدنيا أو هي دار الثواب؟ بين الصحيح من الخلاف بقوله:"وهي"أي الجنة بمعنى دارٍ حديثًا وأيدها دار خلودٍ وأكرم الله فيها أولياءه"التي أهبط"بضم الهمزة لبنائه للمفعول بمعنى أنزل"منها آدم"بالرفع على النيابة عن الفاعل ومنع الصرف العلمية والعجمة، ولو قرأ أهبط بفتح الهمزة والفاعل ضمير مستتر على الله لصح نصب آدم على المفعولية، وآدم عليه الصلاة والسلام هو أبو البشر، سمي بذلك لأدمة لونه وهي حمرة تميل إلى سوادٍ، وكنيته إلى الجنة أبو محمدٍ، كان هبوطه يوم الجمعة، كما كان خلقه يوم الجمعة في جنة عدنٍ عند الجمهور، ومنها أخرج وأنزل إلى الأرض بأرض الهند.
وقيل بما خلق في الأرض ورد إليها، وعاش ألف سنةٍ، وكانت وفاته يوم الجمعة ودفنه ولده شيث، بغار أبي قيسٍ: وكان طوله يوم خلقه الله من الطين خمسمائة ذراعٍ، ومات وطوله ستون ذراعًا، وعرضه سبعة أذرعٍ، وكان بين خلقه ونفخ الروح فيه أربع جمعٍ من جمع الآخرة، وكان بين دخوله الجنة وخروجه ستة أيامٍ، وسبب هبوطه أنه نهي عن أكل الشجرة فأكل منها، قيل ناسيًا، وقيل متأولًا ظنا منه أنها غير التي نهي عنها، واختلف في تلك الشجرة فقيل شجرة التين، وقيل الحنطة، وقيل غير ذلك، وقصد المصنف بقوله: وهي التي أهبط منها. إلخ.
الرد على من يقول: إن التي أهبط منها آدم جنة في الدنيا بأرض عدن محتجا على ذلك بأن الله تعالى وصف جنة أوليائه بدار الخلد والقرار والمقامة والسلام والجزاء، ولا خوف فيها ولا نصب ولا لغو ولا تأثيم ولا كدر ولا حسد، ومن دخلها لا يخرج منها، وهذه الصفات منفية عن جنة آدم لأنه أخرج منها وكذب فيها إبليس وأثم وتكبر وحسد، ويستحيل وصف الله لها بصفةٍ هي علامة على خلافها، وأجيب عما استدل به بأن صفات الجنة ليست ذاتيةً لها، بل يجوز وصفها بذلك في وقتٍ دون وقتٍ، أو يكون وصفها بتلك الأوصاف موقوفًا على شرطٍ فلا توصف به قبل ذلك الشرط، ولما كان المراد بالجنة في كلامه دار الثواب على الصحيح.