فهرس الكتاب
وكان المراد بآدم في كلامه أيضًا أبا البشر وصفه بقوله:"نبيه وخليفته"أي الله تعالى في حكمه بأمره لأن كل نبي خليفته بهذا الاعتبار.
وقيل: سمي بذلك لخلفه من كان قبله أي من الإنس؛ لأن آدم أبو البشر بنص القرآن، فقول يوسف بن عمر: كان قبل آدم سبع أممٍ يتعين فهمه على ذلك راجع قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] . فإنهم بنو الجان فإنهم كانوا في الأرض فلما أفسدوا أرسل إليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال راجع التفسير.
وما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم:"إن هذه الأمة توفي سبعون أمةً قبلها هي آخرها"1 فيجب حمله على أمم الأنبياء السابقين على أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وقصد بذلك الرد على من قال: إن آدم الذي أهبط من الجنة ليس هو نبي لله وإنما هو رجل ليس بنبي كان في حديقةٍ له على ربوةٍ أي محل مرتفعٍ فعصى فيها فأهبط منها، فنص المصنف على أن المراد الجنة التي هي دار الثواب، وآدم هو أبو البشر، فيجوز في نبيه وخليفته الرفع والنصب على حكم ما سبق في آدم من الوجهين وصلة أهبط"إلى أرضه"وكذا قوله:"بما سبق في سابق علمه"فإنه متعلق بأهبط، والمعنى: أن الله تعالى أنزل آدم من الجنة إلى الأرض بسبب حصول ما سبق في علمه القديم من مخالفته في الأكل من الشجرة.
فقوله: في سابق علمه صلة لسبق وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف أي علمه السابق، وهذا سبق حكمٍ ومرتبةٍ لا سبق زمانٍ؛ لأن علمه قديم لا يتقيد بزمانٍ ولا ترتيب في تعلق علمه، بل علمه متعلق بسائر أقسام الحكم العقلي تعلقًا تنجيزيا قديمًا، والهبوط يكون معنويا وحسيا، فالحسي يجوز على الأنبياء والمعنوي لا يجوز عليهم عليهم السلام؛ لأنه الانحطاط في الرتبة، وهبوط آدم حسي وهو رقي في نفس الأمر؛ لأنه ازداد به قدره بسبب النبوة وحصول الذرية وإنزال الكتب السماوية على ما وجد من تلك الذرية وهو الأنبياء والمرسلون وسائر الصالحين، فإهباطه منها ليس طردًا بل لقضاء أوطاره ثم يعود إليها. قال ابن عطاء الله: فكان مراد الحق من آدم عليه السلام الأكل من تلك الشجرة لينزله إلى الأرض ويستخلفه فيها، فكان هبوطًا في الصورة رقيا في المعنى. قال الشيخ أبو الحسن: والله
ـــــــ
1 حسن: أخرجه الترمذي كتاب تفسير القرآن باب: ومن سورة آل عمران حديث 3001 وابن ماجه حديث 4288, وأحمد 5/3. حديث 20037, وانظر صحيح الجامع 2301.