والتكليف والذكورة والحرية والعدالة والعلم والكفاية وكونه قرشيا واحدًا على خلافٍ فيهما، فإن اجتمع عدد بهذه الصفة فالإمام من انعقدت له البيعة بأهل العقد والحل، فإن انعقدت لاثنين ببلدين في وقتٍ واحدٍ فقيل هي للذي عقدت له ببلد الإمام الميت، وقيل يقرع بينهما، ولا يجوز العدد في العصر الواحد والبلد إجماعًا إلا أن تتباعد الأماكن بحيث لا يصل حكم الإمام إلى محل آخر كالأندلس وخراسان فيجوز التعدد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم.
ثم بين الأئمة بقوله:"من ولاة"أي حكام"أمورهم، و"من"علمائهم"والضمير للمسلمين، والمراد العلماء العاملون بأمر الله وأمر السنة الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والأصل في هذا كله قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] إذ هم أمراء الحق العالمون العاملون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
وفي الحديث:"من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني"والمؤلف رحمه الله جمع بين القولين في تفسير قوله تعالى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] فإنه قيل: المراد بهم أمراء الحق على الوجه الذي بينا، وقيل: العلماء العاملون بعلمهم، فالمجتهد منهم يجب عليه العمل بما غلب على ظنه ولا يقلد، والمقلد يجب عليه تقليد أهل العلم لقوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] إلا عقائد الإيمان فيحرم التقليد فيها من القادر على النظر الموصل للمعرفة مع صحة إيمانه وإن كان عاصيًا كما تقدم.
تنبيهان: الأول: من ثبتت إمامته لا ينعزل منها عند الأكثر بالفسق ولا بالجور حيث نصب عدلًا، وإنما ينحل عقد الإمامة بما يزول به مقصود الإمامة كالردة1 والجنون المطبق وصيرورة الإمام أسيرًا لا يرجى خلاصه، وكذا بالمرض الذي ينسيه العلوم، وبالعمى والصمم والخرس، وكذا بخلعه نفسه لعجزه عن القيام بمصالح المسلمين وإن لم يظهر المرض إنما استشعر من نفسه العجز عن القيام بأمر الإمامة، وعليه يحمل خلع الحسن نفسه رضي الله عنه، وما تقدم عن الأكثر من عدم عزله بالفسق والجور يعارضه قول القرطبي: إذا نصب الإمام عدلًا ثم فسق بعد إبرام العقد، فقال الجمهور: وتنفسخ إمامته وينخلع بالفسق الظاهر المعلوم؛ لأنه
ـــــــ
1 الردة لغة: الرجوع عن الشيء ومنه الردة عن الإسلام يقال: ارتد عنه ارتدادا أي تحول والاسم الردة والردة عن الإسلام: الرجوع عنه. وارتد فلان عن دينه إذا كفر بعد إسلامه.
وفي الاصطلاح: كفر المسلم بقول صريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه.
ومن شرائط الردة: ألا تقع من المسلم إلا إذا توفرت شرائط البلوغ والعقل والاختيار الموسوعة 22/180.