قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم وغير ذلك، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور، فلو جوزنا أن يكون فاسقًا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله ا هـ.
وقول ينبغي أن يكون محل الخلاف ما لم يشتد الضرر ببقائه وإلا اتفق على عزله، وأما نائب الإمام فيظهر أنه ليس كالإمام فيعزل بما ذكر اتفاقًا وحرر المسألة، وأما خلعه لنفسه من غير سببٍ فليس له ذلك على مذهب مالكٍ لضابط العلامة خليلٍ في توضيحه: كل من ملك حقا على وجهٍ لا يملك معه عزل نفسه فله أن يوصي به ويستخلف عليه من ينوب عنه كالخليفة والوصي والمجبر في النكاح عند ابن القاسم وإمام الصلاة وكل من ملك حقا على وجهٍ يملك معه عزل نفسه فليس له أن يوصي به ولا يستخلف عليه إلا بشرطٍ كالقاضي والوكيل ولو مفوضًا، وإذا خلع بلا سببٍ لم تنعقد الإمامة لمن ولي بعده.
الثاني: قد قدمنا أنه لا ينعزل عند الأكثر بالفسق ولا بالجور أيضًا، ولكن ينهى عن الجور بلطفٍ وينصح ويرشد إلى الحق وجوبًا على من تمكن من ذلك وظن إفادته أو توهمها، ولا يجوز الدعاء على الأمراء جهرًا لما يترتب عليه من الفتن كما لا يجوز مخالفتهم، بل المطلوب الدعاء لهم بالإصلاح، والاستغفار.
"و"مما يجب على المكلف أيضًا"اتباع السلف الصالح"وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أقوالهم وأفعالهم وفيما تأولوه واستنبطوه. قال في الجوهرة: وتابع الصالح ممن سلفا وجانب البدعة ممن خلفا وظاهر كلام المصنف وجوب الاتباع للسلف ولو في حق المجتهد وهو مذهب مالكٍ رضي الله عنه ومن تبعه، وقال بعض أهل المذهب كالفاكهاني: وهذا والله أعلم في حق من لم يبلغ درجة الاجتهاد، وأما المجتهد فلا يتبعهم فيما استنبطوه باجتهادهم لأن المجتهد لا يقلد غيره، وأما أقوالهم وأفعالهم المتعلقة بالشرائع التي لم يحصلوها باجتهادهم وإنما هي مأخوذة عنه صلى الله عليه وسلم فلا خلاف في اتباعهم فيها، فلعل ظاهر كلام المصنف لا يخالف هذا، ثم أكد الكلام السابق بقوله:"واقتفاء آثارهم"؛ لأن الاقتفاء هو الاتباع، وإنما طلب من المكلف اتباع السلف الصالح في عقائده وأقواله وأفعاله وهيئاته لقوله صلى الله عليه وسلم:"اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكرٍ وعمر". وقال أيضًا:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوًا عليها بالنواجذ".
وقال أيضًا:"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"والمراد العلماء منهم، ولأن في اتباع