فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 1223

مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ [المائدة: 103] . وكذلك بدعة المنافقين الذين اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] فهذا وأضرابه لا يشك أحد في أنه كفر صراح لابتداعه أشياء أنكرتها النصوص وتوعدت عليها ومنها ما هو كبيرة وليس بكفر أو يختلف فيه هل هو كفر أم لا؟ كبدع الفرق الضالة.

ومنها ما هو معصية وليس بكفر اتفاقا كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس والخصاء بقطع شهوة الجماع للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك وقد سبق بعض منها ولقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] .

تقسيم البدع غير المكفرة إلى كبيرة وصغيرة: إن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات فإن كانت في الضروريات فهي أعظم الكبائر وإن وقعت في التحسينات فهي أدنى رتبة بلا إشكال وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين لقوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32] وقوله: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31] وإذا كانت ليست رتبة واحدة فالبدع من جملة المعاصي وقد ثبت التفاوت في المعاصي فكذلك يتصور مثله في البدع فمنها ما يقع في الضروريات ومنها ما يقع في رتبة الحاجيات ومنها ما يقع في رتبة التحسينات وما يقع في رتبة الضروريات منه ما يقع في الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال فمثال وقوعه في الدين: اختراع الكفار وتغييرهم ملة إبراهيم عليه السلام في نحو قوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} [المائدة: 103] وحاصل ما في الآية تحريم ما أحل الله على نية التقرب به إليه مع كونه حلالا بحكم الشريعة المتقدمة. ومثال ما يقع في النفس: ما عليه نحل بعض الهند من تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب واستعجال الموت لنيل الدرجات العلى على زعمهم. ومثال ما يقع في النسل: ما كان من أنكحة الجاهلية التي كانت معهودة ومعمولا بها ومتخذة كالدين وهي لا عهد بها في شريعة إبراهيم عليه السلام ولا غيره بل كانت من جملة ما اخترعوه من ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها في حديث أنكحة الجاهلية ومثال ما يقع في العقل ما يتناول من المسكرات والمخدرات بدعوى تحصيل النفع والتقوي على القيام ببعض الواجبات المشروعة في ذاتها ومثال ما يقع في المال قولهم: {الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا} فإنهم احتجوا بقياس فاسد وكذلك سائر ما يحدث الناس بينهم من البيوع المبنية على المخاطرة والغرر هذا التقسيم من حيث اعتبار البدعة كبيرة أو صغيرة مشروط بشروط.

الأول: ألا يداوم عليها فإن الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة ولذلك قالوا: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار فكذلك البدعة من غير فرق.

الثاني: ألا يدعو إليها فإذا ابتلي إنسان ببدعة فدعا إليها تحمل وزرها وأوزار الآخرين معه مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".

الثالث: ألا تفعل في الأماكن العامة التي يجتمع فيها الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن وتظهر فيها أعلام الشريعة وألا يكون ممن يقتدى به أو يحسن به الظن فإن العوام يقتدون بغير نظر بالموثوق بهم أو بمن يحسنون الظن به فتعم البلوى ويسهل على الناس ارتكابها أنظر الموسوعة الفقهية 8/21- 35, ومعجم المصطلحات والألفاظ الفقهية 1/361- 363 ومن مصادره: الاعتصام 1/37, والتعريفات ص 37, ودستور العلماء 1/232.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت