التخلية والثانية من باب التحلية، والتخلية مقدمة على التحلية فقال:"ومن لم يخرج منه بول ولا غائط"ولا غيرهما مما يوجب الاستنجاء"وتوضأ"أي أراد أن يتوضأ"لحدثٍ أو نومٍ أو لغير ذلك مما يوجب الوضوء"ولا يوجب الاستنجاء"فلا بد"له على جهة السنية"من غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء"الذي يتوضأ منه.
ولما كان يتوهم من قوله لا بد وجوب غسل اليدين قال:"ومن سنة الوضوء"ولو مندوبًا"غسل اليدين"إلى الكوعين بمطلقٍ ونيةٍ ولو نظيفتين لأن غسلهما للتعبد ولا بد أن يكون"قبل إدخالهما في الإناء"حتى تحصل السنة حيث كان الإناء صغيرًا يمكن الإفراغ منه، لا إن كان كبيرًا أو بحرًا أو غيرهما مما لا يمكن الإفراغ منه فيغسلهما داخله حيث كانتا طاهرتين أو متنجستين لا يخشى تغييره بغسلهما فيه لكثرته، وأما لو كان عليهما ما يسلب طهورية الماء وكان الماء قليلًا بحيث يتحقق أو يظن تغيره بإدخالهما، فإن كان يمكن التحيل على إزالة ما عليهما قبل إدخالهما أزاله وغسلهما داخله وإلا تركه وتيمم كعادم الماء، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"1 ولكن ظاهر الحديث أن السنة تتوقف على غسلها ثلاثًا، واقتصر عليه العلامة خليل حيث قال: وسننه غسل يديه أولًا ثلاثًا تعبدًا بمطلقٍ ونيةٍ، وصرح الأجهوري في شرحه على أن السنة تتوقف على التثليث، وقال بعض شراح خليلٍ: التثليث مستحب فقط"لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ وغسل يديه تارةً مرتين وتارةً مرةً"كما يستحب غسلهما مفترقتين.
"تنبيه": كان الأولى للمصنف أن يقول: ومن سنن الوضوء لإتيانه بمن التبعيضية لتعدد المبعض، ولا يقال: يراد بسنته الجنس وهو يقبل التبعيض، لأنا نقول: وجود التاء ينافي ذلك لاقتضائها الوحدة إلا أن يدعي أنها ليست للوحدة بل هي كتاء فضةٍ فلا يمنع وجودها من إرادة الجنس.
ولما قيل بوجوب بعض سننٍ استأنف المصنف ذكرها بقوله:"والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ومسح الأذنين سنة"فلفظ المضمضة مبتدأ وقوله: سنة خبر عنها وما عطف عليها مقدر مع كل واحدةٍ لأن كل واحدةٍ سنة، والمضمضة بمعجمتين أو مهملتين لغةً التحريك.
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب الوضوء باب: الاستجمار وترا حديث 162. ومسلم كتاب الطهارة باب كراهة غمس المتوضئ وغير ه يده المشكوك حديث 278, وأبو داود حديث 103, والترمذي حديث 24, والنسائي حديث 1 وابن ماجه حديث 395.