ثم ذكر علة المبالغة بقوله:"فإنه"أي الحال والشأن"جاء الأثر"أي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ويل للأعقاب من النار"1 وويل كلمة تقولها العرب لمن استحق العذاب ووقع في الهلاك، وقيل وادٍ في جهنم ولا مانع من تخصيص التعذيب بالأعقاب دون غيرها، ويجوز أن يعم التعذيب جميع البدن وعليه فيقدر مضاف في كلام المصنف أي لذوي الأعقاب، ونسب العذاب لها لشدته فيها أو لأنها أول معذبٍ، ثم إن هذا يجري في كل لمعةٍ تبقى في الأعضاء، وإنما خص الأعقاب بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قاله حين رأى أعقاب الناس تلوح ولم يمسها الماء في الوضوء. وقوله من النار متعلق بويلٍ بناءً على أنه اسم لمن يستحق الهلاك، لأن المعنى أنها تولول تقول: يا ويلاه وتضج من عذاب النار بناءً على التجوز في الإسناد لأن الذي يولول إنما هم أصحاب الأعقاب، فمن على هذا تعليلية وعلى أنه اسم لوادٍ في جهنم تكون من الداخلة على النار تبعيضية، وفسرنا الأثر بالحديث لأنه في اصطلاح المتقدمين يقع على المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم كما هنا، وعلى الموقوف على الصحابي نحو عن ابن عمر وغير المتقدمين يطلق الأثر على الموقوف على الصحابي ويخص الخبر بالمرفوع، قال القرافي:
وسم بالموقوف ما قصرته ... بصاحبٍ وصلت أو قطعته
وبعض أهل الفقه سماه الأثر، وقد علمت أن المصنف استعمله هنا في المرفوع وفسر العقب بقوله:"وعقب الشيء طرفه"بفتح الراء"و"هو"آخره"لأنه آخر القدم وهو الذي تسميه العامة بالكعب.
"ثم"بعد الفراغ من غسل الرجل اليمنى على الصفة المتقدمة"بغسل"الرجل"اليسرى مثل ذلك"من صب الماء بيده اليمنى وعركها بيده اليسرى عركًا لطيفًا ويوعبها بذلك ثلاثًا ويخلل أصابعها ندبًا.
"خاتمة"قال الأقفهسي: يقول عند غسل اليمنى: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تثبت أقدام المؤمنين، وعند غسل اليسرى: وأعوذ بك أن تزل قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام.
ولما قدمنا أن الأعضاء في الوضوء يطلب فيها غسل كل عضوٍ ثلاثًا خشي أن يتوهم الواقف على كلامه وجوبها قال:"وليس تحديد غسل أعضائه"كالوجه واليدين"ثلاثًا ثلاثًا بأمرٍ"أي شأنٍ"لا يجزئ دونه ولكنه"أي التثليث"أكثر ما يفعل"فلا ينافي في أن الواجب مرةً واحدةً
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب العلم باب: من رفع صوته بالعلم حديث 60, ومسلم كتاب الطهارة باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما حديث 240.