بالغسلة الواحدة المسبغة لا نافي كراهة ترك الإشفاع والتثليث، ولا يقال: كيف يكون مكروهًا ويفعله صلى الله عليه وسلم؟ لأنا نقول: هو مطلوب بفعله لقصد التشريع فلا إشكال.
ولما علم من كلامه أن الواحدة تكفي وكان التعميم بها قد يتعذر على بعض الناس قال:"وليس كل الناس في إحكام ذلك"أي في الإتقان والتعميم بالغسلة الواحدة"سواءً"بالنصب خبر ليس، وسواء بمعنى مستويين إذ منهم السمين الذي لا يغسل وجهه إلا أكثر فيتعين عليه فعل ما يحصل به التعميم ولو الثلاث وينوي بها الفرض. والحاصل: أن كل ما يتوقف عليه الإيعاب ينوى به الفرض.
ويلاحظ أن ما زاد عليه هو المندوب ولذلك قال سند: لو غسل وجهه ثلاثًا وترك منه موضعًا لم يصبه الماء إلا في المرة الثالثة فإن لم يخص الثالثة بنية الفضيلة أجزأه ذلك، فدل هذا على أن المطلوب من المتوضئ أن لا ينوي بالزائد على المرة الأولى الفضيلة.
ثم شرع فيما يستحب للمتوضئ الإتيان به بعد تمام وضوئه بقوله:"وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من توضأ فأحسن الوضوء"أي أتى بفرائضه وسننه وفضائله وقيل أخلص فيه نيته"ثم رفع طرفه"بسكون الراء أي بصره، وأما الطرف الذي هو آخر الشيء فبالفتح لا غير"إلى السماء"أي إلى جهتها وإن لم يرها لحائلٍ أو عمًى."
وفي شرح الشيخ داود ما يفيد أنه لا بد للنظر إلى السماء بالفعل فإنه قال: والسر في رفع الطرف إلى السماء هو شغل بصره بأعظم المخلوقات المرئية لنا في الدنيا وهي السموات، والإعراض بقلبه وقالبه عن أمر الدنيا، فيكون ذلك أدعى لحضور قلبه وموافقته للسانه، وأما سر رفع اليدين عند الدعاء إليها فلأنها قبلة الدعاء، وقول يوسف بن عمر هذه زيادة في الحديث لم يذكرها غيره فيه نظر إلا أن رواية أحمد رفع بصره"فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"وفي بعض طرقه قبل أن يتكلم زادها الترمذي"فتحت"بالتشديد والتخفيف"له أبواب الجنة"وفي رواية الترمذي"الثمانية يدخل من أيها شاء"1.
وورد في روايةٍ أنه يقول هذا ثلاث مراتٍ، والفتح قيل معناه تسهيل أبواب الطاعات الموصلة للجنة، وقيل الفتح على حقيقته ولا يعارضه حديث:"إن في الجنة بابًا يقال له الريان"
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه مسلم كتاب الطهارة باب: الذكر المستحب عقب الوضوء حديث 234 من حديث عقبة بن عامر وأبو داود حديث 169, وابن ماجه حديث 1604, وأحمد 4/153 حديث 17431.