غسل جسده فورًا فإن السنن تكون للوضوء، وتلك الصورة أشار إليها خليل بقوله: وغسل الوضوء عن غسل محله ولو ناسيًا لجنابته، وإنما أجزأت نية الوضوء عن نية الغسل لأنه من باب قيام واجبٍ مقام جزءٍ واجبٍ لاشتراكهما في الوجوب، وأشار إلى الصفة الفاضلة بقوله:"وأفضل له أن يتوضأ"ولو بنية الأصغر لأنها تقوم مقام نية الأكبر في مواضع الوضوء"بعد أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو جسده من الأذى"بنية رفع الأكبر ليستغني عن الوضوء بعد تمام غسله.
وقوله:"ثم يتوضأ وضوء الصلاة"مكرر مع ما قبله أو الأول الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين للكوعين، وحاصل المعنى بإيضاحٍ: أنه يغسل يديه أولًا لكوعيه بنية السنية قبل إدخالهما في الإناء ثم يزيل الأذى عن جسده بنية رفع الحدث الأكبر ثم يتوضأ وضوء الصلاة، وحديث ميمونة يقتضي أنه بعد إزالة الأذى لا يعيد غسل يديه لكوعيه، وغالب شراح خليلٍ قائل بإعادة غسلهما، وقوله: وضوء الصلاة يوهم أنه يكرر غسل الأعضاء وليس كذلك بل مرةً مرةً قال خليل: ثم أعضاء وضوئه كاملةً مرةً مرةً حتى مسح رأسه وأذنيه وغسل رجليه وهو المفهوم من قول خليلٍ كاملةً مرةً.
قال شارحه التتائي: مسحًا وغسلًا فلا يؤخر غسل رجليه لفراغ غسله كان الموضع نظيفًا أو وسخًا وهو كذلك على المشهور، وإنما كان مرةً فقط لأنه غسل حقيقةً وصورة وضوءٍ، وقال سيدي يوسف بن عمر بترك مسح رأسه وأذنيه لأنهما يغسلان فلا فائدة في مسحهما، وما قاله يوسف بن عمر يقويه حديث ميمونة وهو:"توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة وأكفى بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثًا ثم غسل فرجه ثم ضرب يده في الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثًا ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض على رأسه الماء ثم غسل جسده ثم تنحى فغسل رجليه"1 الحديث، فهذا صريح في أنه لا يمسح رأسه ولا أذنيه في هذا الوضوء ولم يغسل فيه رجليه أيضًا، ولكن خليلًا اعتمد على ما في الموطأ وغيره من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها:"أنه عليه السلام كان إذا اغتسل من الجنابة توضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل ثم يخلل شعره بيديه"2 فظاهر قولها توضأ وضوءه للصلاة أنه يكمله ولكن في بعض طرقه غير
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب الغسل باب: المضمضة والاستنشاق في الجنابة حديث 259, والترمذي حديث 103, وابن ماجه حديث 573.
2 صحيح: أخرجه البخاري كتاب الغسل باب: تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته حديث 273, ومسلم متاب الحيض باب: صفة غسل الجنابة حديث 316.