فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 1223

فيفيد أنه يطلع في أقصى المشرق دائمًا وفيه نظر لأنه ضوء الشمس وهو يطلع في موضع طلوعها وهو تارةً أقصى المشرق وذلك في غير زمن الشتاء وتارةً إنما يطلع من القبلة وذلك في زمن الشتاء، فالأحسن تعلقه بالمعترض أي المنتشر في أقصى المشرق، وهذا لا يلزم منه أنه يطلع دائمًا في أقصى المشرق، بل يفيد أنه يطلع من جهة المشرق وهو أعم من أقصاه.

وإيضاح هذا أن الفجر هو ضوء الشمس ولا شك أنه تابع لها سواء طلعت من أقصى المشرق أو من القبلة، وعلى كل حالٍ يذهب من القبلة إلى دبرها، وخرج بالمعترض بالضياء الفجر الكاذب وهو البياض الذي يصعد كذنب السرحان دقيقًا غير منتشرٍ فهذا لا حكم له.

والحاصل أن الفجر معناه البياض ويتنوع إلى كاذبٍ وصادقٍ وكلاهما من نور الشمس، إلا أن الكاذب لا ينتشر لدقته وينقطع بالكلية إذا قرب زمن الصادق، والصادق ينتشر لقربها ويعم الأفق، والسرحان هو الذئب. قال العلامة ابن عمر: وهذا بيان شافٍ لصفة الفجر فكان في غنيةٍ عن قوله:"ذاهبًا"أي بارزًا وجائيًا"من القبلة إلى دبر القبلة"أي مقابلها"حتى يرتفع فيعم"أي يسد"الأفق"والمراد بدبر القبلة مقابلها.

قال في الصحاح: دبر الأمر آخره والأفق بضم الفاء وسكونها هو ما والى الأرض من أطراف السماء، وقيل ما بين السماء والأرض والمراد بكونه يعم الأفق أي يملؤه ويسده كما بينا، ثم إن في جمع المصنف بين قوله أولًا: المعترض بالضياء في أقصى المشرق، وبين قوله: ذاهبًا من القبلة تناقضًا بيانه أن قوله المعترض إلخ يقتضي أن الفجر يطلع من المشرق، وقوله ذاهبًا من القبلة يقتضي أنه إنما يطلع من القبلة لا من المشرق، وقوله أيضًا: إلى دبر القبلة يقتضي أن للقبلة دبرًا وليس كذلك، وافترق الناس في الجواب فمن قائلٍ: إن المصنف أخذ يبين الفجر لأهل المغرب بقوله ذاهبًا من القبلة إلى دبر القبلة وهو الجوف، أو نقول ذاهبًا إلى القبلة وإلى دبر القبلة، فمن بمعنى إلى لأن حروف الجر ينوب بعضها عن بعضٍ وكأنه يقول: فينتشر في المشرق حتى إلى القبلة وحتى إلى الجوف، ومن قائلٍ يقول ذاهبًا من القبلة إلى دبر القبلة في زمانٍ دون زمانٍ، وقال بعض: المعنى ذاهبًا من قبلة الناظر إليه إلى دبر الناظر إليه، فبهذه ثلاث تأويلاتٍ قال بعض: أبينها أولها، والذي يظهر لي أن مراد المصنف بقوله من القبلة إلى دبر القبلة أنه ينتشر من مبدأ طلوعه إلى منتهاه، فالمراد بالدبر الآخر لأن دبر كل شيءٍ آخره، والتعبير بالمشرق تارةً وبالقبلة تارةً لعله لمجرد التفنن، لأن المراد بالمشرق والقبلة ما قابل المغرب، لأن كلا من القبلة والمشرق يقابلانه على أنه قيل في مذهبنا أن القبلة إذا أغميت على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت