حنيفة، والثانية أنه بانٍ فيهما وهو ما عليه الشافعي، ومنشأ الخلاف قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"1 وروي"فاقضوا"2 فأخذ أبو حنيفة برواية"فاقضوا"فجعله قاضيًا في الأقوال والأفعال، وأخذ الشافعي برواية فأتموا فجعله بانيًا في الأفعال والأقوال، وجمع مالك بين الروايتين فحمل رواية فأتموا على الأفعال ورواية فاقضوا على الأقوال، وتظهر ثمرة الخلاف بين الأئمة فيمن أدرك ركعةً من المغرب، فعلى القول بأنه قاضٍ مطلقًا يأتي بركعتين بأم القرآن وسورةٍ جهرًا ولا يجلس أي بينهما، وعلى القول بأنه بان مطلقًا يأتي بالثانية بأم القرآن وسورةٍ جهرًا ويجلس، ثم يأتي بركعةٍ بأم القرآن فقط سرا، وعلى القول بالقضاء في الأقوال دون الأفعال يأتي بركعتين بأم القرآن وسورةٍ جهرًا ويجلس بينهما، واعلم أن الباني هو المنفرد والقاضي هو المسبوق ويعبر عنه بالمدرك ولذا قال المصنف: ففعله أي المدرك لركعةٍ فأكثر مع الإمام في حال قضاء ما سبقه به الإمام المنفرد في حال بنائه حتى يفسد بعض ركعاته فإنه يجعل ما صح عنده أول صلاته ويبني عليه.
"تنبيهات"الأول: قال سيدي يوسف بن عمر في قول المصنف: كفعل الباني المصلي وحده إشكال من حيث أنه أحال المدرك بفعله على الباني وهو لم يبين صورة الباني فأحال مجهولًا على مجهولٍ، وأجاب بعض الشيوخ عن هذا الإشكال بجعل المصلي وحده تفسيرًا للباني فكأنه قال: فعله كفعل المصلي وحده، وقد بين فعل المصلي وحده في باب صفة العمل في الصلاة فيما تقدم، فليس فيه إحالة على مجهولٍ بل على معلومٍ، وأما ابن عمر فقد سلم الإشكال وجهه ظاهر؛ لأنه لا يلزم من تفسير الباني بالمصلي وحده زوال الإشكال،؛ لأنه لم يبين كيف يفعل المصلي وحده إذا تبين له فساد بعض صلاته، وفسر الباني بأنه الذي يصلي صلاته إلى آخرها، ثم يذكر ما يفسد له بعض صلاته المشار إليه بقوله خليلٍ: ورجعت الثانية أولى ببطلانها لفذ وإمامٍ؛ لأنه يجعل ما صح عنده أول صلاته وصوره ثلاث: إحداها أن يذكر ما يفسد له ركعةً إما بترك ركوعٍ أو سجودٍ مثلًا، ويوازي هذا من حال المدرك الذي كلام المصنف فيه أن تفوته ركعة مع الإمام.
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري كتاب المغازي باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى حديث 4425 والترمذي حديث 2262 والنسائي 5388 وأحمد في مسنده 5/50 حديث 20527.
2 لم أقف عليه.