ثم شرع في بيان ما يطلب لسماع الخطبة بقوله:"و"يجب على من شهد الجمعة من المكلفين أن"ينصت"أي يستمع"للإمام"في خطبته الأولى والثانية، وفي حال جلوس الخطيب بينهما إلى أن تفرغ الخطبة الثانية فلا يجب عليه الإنصات في حال الدعاء للسلطان، وقوله في خطبته يفيد أنه لا يجب الإنصات إلا بعد شروعه فيها، وهو كذلك؛ لأن الكلام ونحوه من كل مشغل إنما يحرم بالخطبة.
قال خليل مشبها في الحرمة ككلام في خطبته بقيامه وبينهما ولو لغير سامع إلا أن يلغو على المختار، وكلام ورده ونهي لاغ وحصبه أو إشارة له، وابتداء صلاة بخروجه وإن لداخل، واعلم أن الإنصات إنما يجب على من كان جالسا بالمسجد أو رحابه، وسواء كان يسمع كلام الإمام أم لا؛ لأن الواجب الإنصات والإصغاء لا السماع، وإلا لوجب على كل من شهد الجمعة الجلوس بقرب الخطيب بحيث يسمعه ولا قائل بذلك، إذ يجوز الجلوس عجز المسجد اختيارا بحيث لا يسمع الخطيب، والأصل في وجوب الإنصات قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] قيل نزلت في، الخطبة. وقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت"1.
وروي:"من لغى فلا جمعة له"2 رواه الشيخان وغيرهما، ووجه الدلالة منه أنه سمى الأمر بالمعروف فيه لغوا، واللغو الكلام الذي لا خير فيه، وما نفي عنه الخير على سبيل الاستغراق نصا أو ظهورا يقبح التكلم به بل يحرم في هذا المقام، وقولنا: جالس في المسجد أو رحابه للاحتراز عن الجالس في غيرهما، فلا يجب عليه الإنصات ولا يحرم عليه الكلام إلا مع الجالس في المسجد أو رحبته لا مع غيرهما، وينبغي أن يقيد وجوب الإنصات على الجالس في المسجد أو رحبته بما إذا كان الخطيب لم يحصل منه لغو بحيث يخرج عن الخطبة وما يتعلق بها كقراءة كتاب أو نحوه، ويفهم من وجوب الإنصات ولو على غير السامع حرمة كل ما ينافيه من أكل وشرب وتحريك شيء يحصل منه تصويت كورق أو ثوب أو فتح باب أو سبحة أو مطالعة في كراس، بل يقتضي المذهب منع الإشارة لمن لغى.
قال خليل: ونهي لاغ وحصبه أو إشارة له أو لرد سلام وإن جازت في الصلاة."تنبيه": علم
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، حديث"934"، ومسلم، كتاب الجمعة، باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، حديث"851".
2 أخرجه لأحمد في مسنده"1/93"حديث"719".