والاعتماد في ذلك كله على الله تعالى وسعة رحمته، وذكر صاحب المدخل أن من أراد حصول بركة قراءته وثوابها للميت بلا خلاف فليجعل ذلك دعاء فيقول: اللهم أوصل ثواب ما أقرؤه لفلان أو ما قرأته، وحينئذ يحصل للميت ثواب القراءة وللقارئ ثواب الدعاء ولما كان الموت يتسبب عنه البكاء والتفجع بين حكمه بقوله:"ولا بأس بالبكاء"بالمد وهو ما كان"بالدموع حينئذ"أي حين الاحتضار، وكذا بعد الموت حيث لم يصحبه رفع صوت ولا قول قبيح.
قال خليل: بالعطف على الجائز وبكاء عند موته وبعده بلا رفع صوت وقول قبيح شرعا، فقد بكى صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال:"تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب"فالمراد بلا بأس الجواز المرجوح بدليل قوله:"و"لكن"حسن التعزي و"هو"التصبر"والتجلد والرضى بما حكم الجبار"أجمل"أي أفضل وأحسن من البكاء بالدموع"لمن استطاع"قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] وقال صلى الله عليه وسلم:"من قال ذلك وقال معه: اللهم أجرني على مصيبتي وأعقبني خيرا منها فعل الله به ذلك قالت أم سلمة: قلت ذلك حين مات أبو سلمة، وقلت: من هو خير من أبي سلمة، فأعقبني الله رسوله صلى الله عليه وسلم فتزوجته"1، والصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى.
فإن قيل: إذا كان التصبر أحسن من البكاء فلم أهمله عليه الصلاة والسلام وبكى على ولده إبراهيم؟ فالجواب: أن كلام المصنف بالنسبة للأمة، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فيؤمر بفعل خلاف الأفضل في حقنا للتشريع ويثاب عليه، ولما قدم أن البكاء المحدود وهو مجرد إرسال الدموع جائز صرح بمحترزه بقوله:"وينهى"قريب المحتضر وكل من يتأثر بفقده"عن الصراخ والنياحة"وسائر الأقوال القبيحة، فالنهي للتحريم حيث استلزم أمرا محرما لخبر:"ليس منا من ضرب الخدود ولا من شق الجيوب"2 وروي:"أنا بريء ممن حلق وصلق وخرق"3 والصلق الصياح في البكاء وقبح القول. وروي"أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها"
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة، حديث"918"والترمذي، حديث"977"والنسائي، حديث"1825"، وأحمد"6/309"
2 صحيح: أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية، حديث"103"، والترمذي حديث"999"، وابن ماجه حديث"1584".
3 صحيح: أخرجه مسلم، كتاب الإيمان باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية حديث"104"، وأبو داود، حديث"3130"والنسائي، حديث"1861"، وابن ماجه، حديث"1586".