ويحوزه؛ لأن عطايا الإمام تفتقر للحوز كعطية غيره على المشهور، إلا أن يوجد في أرض الصلح المملوكة لمعين أو غيره فحكمه للمصالح أو وارثه لا للإمام.
و لما فرغ من الكلام على زكاة غير الماشية شرع في الكلام على الجزية، وكان الأنسب تأخير الكلام عليها بعد الجهاد لتسببها عنه، ويقدم الكلام على زكاة الماشية والفطرة، وتنقسم إلى صلحية وعنوية، فالصلحية ما التزم كافر منع نفسه أداءه على إبقائه بلدة تحت حكم الإسلام بحيث تجري عليه أحكامه، والعنوية ما لزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه مأخوذة من المجازاة، والجزاء بمعنى المقابلة؛ لأنهم أعطوا المال في مقابلة الأمان، ومجازاة لكفنا عنهم وتمكينهم من سكنى بلادنا، وشرعت في السنة الثامنة، وقيل التاسعة من الهجرة، ومدتها مغياة بنزول عيسى عليه السلام، وبعد نزوله لا يقبل منهم جزية وإنما يطالبهم عليه السلام بالإيمان وإلا قتلهم وحكم ضربها الجواز، وقد يعرض وجوبها إذا كانت المصلحة للمسلمين في ضربها، وأشار إلى من تؤخذ منه بقوله:"وتؤخذ الجزية": صلحية أو عنوية"من رجال أهل الذمة": والمراد بهم كل كافر يصح سبيه ولو قرشيا، وطريقة ابن رشد مخالفة لمشهور المذهب."الأحرار البالغين": العقلاء فلا تؤخذ من المجانين ولا ممن لا يصح سبيه كالمعاهد قبل انقضاء مدة عهده والمرتد لعدم صحة سبيهما، ويشترط فيمن تؤخذ منه أيضا أن يكون مخالطا لأهل دينه، وأن يكون قادرا على أدائها، فلا تؤخذ من المنعزل بدير أو صومعة كالرهبان، ولا من العاجز عن أدائها، ويشترط أيضا أن لا يكون ممن أعتقه مسلم في بلاد الإسلام بخلاف كافر أعتقه كافر أو مسلم في بلاد الحرب فتؤخذ منه، فتلخص أن شرط المأخوذ منه الجزية عنوية أو صلحية1: الذكورة والحرية والبلوغ والعقل وصحة سبيه وعدم
ـــــــ
1 قال الجوهري: الجزية ما يؤخذ من أخل الذمة، والجمع الجزي"بالكسر"مثل لحيةٍ ولًحى. وهي عبارة عن المال الذي يعقد الذمة عليه للكتابي. وهي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله. وقال ابن منظور: الجزية أيضًا خراج الأرض. قال الله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] . وقال النووي: الجزية"بكسر الجيم"جمعها جزي"بالكسر"أيضا كقربة وقرب ونحوه، وهي مشتقة من الجزاء كأنها جراء إسكاننا إياه في دارنا، وعصمتنا دمه وماله وعياله. وقيل: هي مشتقة من جزي يجزي إذا قضى. قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] أي لا تقضي.
وقد اختلفت وجهات نظر الفقهاء في تعريف الجزية اصطلاحا تبعا لاختلافهم في طبيعتها، وفي حكم فرضها على المغلوبين الذين فتحت أرضهم عنوة"أي قهرًا لا صلحًا". فعرفها الحنفية والمالكية بأنها: اسم لما يؤخذ من أهل الذمة فهو عام يشمل كل جزية سواء أكان موجبها القهر والغلبة وفتح الأرض عنوة، أو عقد الذمة الذي ينشأ بالتراضي. وعرفها الحصني من الشافعية بأنها: المال المأخوذ بالتراضي لإسكاننا إياهم في ديارنا، او لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم، أو لكفنا عن قتالهم.
وعرفها الحنابلة بأنها: مال يؤخذ منهم على وجه الصغار كل عام بدلا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا. وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة: الجزية هي الخراج المضروب على رءوس الكفار إذلالا وصغارًا. الموسوعة"15/ 149، 150".