ولما فرغ من الكلام على صفة الحج والعمرة شرع فيما يطلب من الشخص عند انصرافه من مكة بقوله:"ويستحب لمن انصرف من مكة": بعد فراغه"من حج أو عمرة أن يقول": عند الانصراف"آيبون": من الإياب أي راجعون بالموت إلى الله تعالى."تائبون": إلى الله من الذنوب"عابدون": محسنون في أعمالنا لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الإحسان فقال:"أن تعبد الله"1 الحديث."لربنا": صلة"حامدون": قدم المعمول على العامل للحصر، والمعنى: حامدون لربنا على أقداره لنا على أداء ما طلبه منا من حج أو عمرة، وأما صلة الأوصاف المتقدمة فمحذوفة كما بينا."صدق الله وعده": أي ما وعد نبيه عليه الصلاة والسلام به في نصره له بالرعب من مسيرة شهر، وأنجز له ما وعده به من دخوله مكة بقوله تعالى: لقوله {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] "ونصر عبده": عليه السلام"وهزم الأحزاب": أي المشركين حين تحزبوا عليه بالمدينة أرسل عليهم الريح وهي الشرقية ويقال لها الصبا. قال صلى الله عليه وسلم:"نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور"2 وهي الغربية، وقوله:"وحده": بالنصب على الحال من فاعل نصر أو هزم وهو الضمير المستتر العائد على الله، ولا يصح كونه متنازعا فيه لهما؛ لأن التنازع لا يقع في الحال.
"خاتمة": تشتمل على فوائد منها: بيان فائدة الحج والعمرة المترتبة عليهما المشار إليها بما ورد في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"3 والرفث الجماع وقيل الفحش من القول والفسوق المعاصي، وفي الصحيحين أيضا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"4. قال الحافظ المبرور: الذي لم يتعمد فيه صاحبه معصية،
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، حديث"50"، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان، حديث"8"، وأبو داود، حديث"5964"، والترمذي، حديث"2610"، والنسائي، حديث"4990"، وابن ماجه، حديث"63".
2 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"نصرت بالصبا"، حديث"1035"، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب ريح الصبا والدبور، حديث"900"، وأحمد"1/223"حديث"1955".
3 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، حديث"1521"، ومسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، حديث"1350".
4 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب وجوب العمرة وفضلها، حديث"1773"ومسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، حديث"1349".