فهرس الكتاب
ومثله القيام بعلوم الشرع كالفقه، وما يتوقف عليه من تفسير وحديث وأصول، وكلام ونحو والفتوى والقضاء والشهادة ورد السلام، وفك الأسارى وتجهيز الأموات، ودفع الضرر عن المسلمين، والإمامة الكبرى على من توفرت فيه شروطها، ولا يجوز تعدد السلطان إلا إذا تناءت الأقطار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحرف المهمة كالحياكة والخبازة وغيرهما مما يتوقف عليه صلاح العامة.
الثالث: الدليل على فرضية الجهاد على جهة الكفاية قوله تعالى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء: 95] أي الجنة، فلما وعد الله - تعالى - القاعد والمجاهد بالحسنى، علم أن الخطاب به للجميع على سبيل البدلية، وأنه يسقط بفعل البعض، ولو كان على الأعيان لكان القاعد بلا ضرورة عاصيا، وما تواتر في السنة من"إرساله عليه الصلاة والسلام قوما دون آخرين".
الرابع: فرض الكفاية قبل الشروع فيه مخاطب به الجميع حتى يقوم به البعض، واختلف هل لمن لم يفعل أجر قولان، هكذا قال بعض، ولا يعارضه آية: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء: 95] ؛ لأن الخلاف في الأجر المرتب على الفعل.
الخامس: محل كون الجهاد فرض كفاية بحسب الأصل، فلا ينافي أنه قد يكون واجبا على الأعيان إذا غزا العدو على قوم كما يأتي آخر الباب، فيتعين على كل أحد حتى النساء وعلى من بقربهم إن عجزوا وبتعيين الإمام وبالنذر.
قال خليل: وتعين بفجأ العدو، وإن على امرأة أو عبد وعلى من بقربهم إن عجزوا أو بتعيين الإمام.
ولما كان يتوهم من فرضية الجهاد جواز قتال الكفار بمجرد القدرة عليهم، بين أنه لا يجوز قتالهم ابتداء بقوله:"وأحب إلينا"معاشر أهل المذهب"أن لا يقاتل"بالبناء للمفعول والنائب عن الفاعل"العدو"عند القدرة على قتالهم"حتى يدعوا إلى دين الله عز وجل"أي يطلب منهم أن يقولوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والدليل على ذلك قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} [آل عمران] ، وما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ:"إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"1 وقصة سليمان مع بلقيس بنت
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الزكاة باب أخذ الصدقة من الأغنياء، وترد في الفقراء حديث"1496"، وأبو داود، حديث"1584"والترمذي، حديث"625"، والنسائي، حديث"2435".