فهرس الكتاب
القتل والاسترقاق وضرب الجزية والمفاداة والمن بنظر الإمام وذلك قبل قسم الغنيمة، فينظر ما فيه مصلحة للمسلمين، ولا ينظر للهوى، فإن كان الأسير من أهل النجدة والفروسية والنكاية للمسلمين قتله، وإن لم يكن على هذه الصفة وأمنت غائلته، وله قيمة استرق للمسلمين وقبل فيه الفداء إن بذل فيه أكثر من قيمته، وإن لم يكن له قيمة، ولا فيه قدرة على أداء جزية كالأعمى والزمن والشيخ الفاني أعتقه حيث لا رأي، ولا تدبير، والذي يقتل يحسب من الغنيمة على القول بملكها بمجرد الأخذ، والذي يمن عليه ويخلى سبيله من غير شيء يحسب من الخمس، وكذا ما فدي، وكان فداؤه بأسارى المسلمين الذي كانوا عندهم. قال الحطاب: ومن يمن عليه أو يفدى أو تضرب عليه الجزية إنما يكون من الخمس بناء على ملك الغنيمة بمجرد أخذها، والقتل من رأس المال، والاسترقاق راجع إلى جملة الغانمين، فتلخص أن الذي يمن عليه أو يفدى أو تضرب عليه الجزية تجعل قيمته فيما يخمس؛ لأنها من جملة الغنيمة، ولكنها تحسب من الخمس الذي لآله عليه الصلاة والسلام ثم للمصالح، وخالف ابن رشد في ذلك وقال: الذي يمن عليه، ومن تضرب عليه الجزية لا تجعل قيمته من الغنيمة، ولا تؤخذ من الخمس، وأما الفداء المأخوذ فيجعل من جملة الغنيمة، والنظر بين الوجوه الخمسة إنما هو في الأسرى المقاتلة.
وأما الذراري والنساء فليس إلا الاسترقاق أو المفاداة، ولا فرق في كل ما تقدم بين كفار قريش وغيرهم على مشهور المذهب خلافا لابن وهب.
ثم شرع في بيان من لا يجوز قتله بقوله:"ولا"يجوز أن"يقتل أحد"من الكفار"بعد أمان"من الإمام أو غيره؛ لأن قتله بعد الأمان خيانة، وقال - تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] وقال صلى الله عليه وسلم:"ينصب للغادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان"1."و"كذا"لا يخفر"أي لا يترك"لهم"أي العدو الوفاء"بعهد"والمعنى أن العدو إذا أعطوا أسيرا عهدا على أن لا يخون، ولا يهرب فلا يجوز له نقض عهده.
قال خليل: وحرم خيانة أسير اؤتمن طائعا، ولو على نفسه، ولا يجوز له الهروب، ولا أخذ شيء من أموال الكفار، وسواء حلف لهم أم لا على المعتمد، وأما إن لم يؤتمن فله الخيانة اتفاقا، وكذا لو أمن مكرها سواء كان على وجه المعاهدة بأن أعطاهم عهدا كقوله لهم: لكم علي عهد أن لا أخون أو لا أهرب، أو لا على وجه المعاهدة بأن قالوا له: أمناك على كذا.
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما يدعى عن الناس بآبائهم، حديث"6177"ومسلم كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، حديث"1735".