فهرس الكتاب
حلال"والمعنى: أن من زنى بامرأة ولو تكرر زناه بها لا يحرم عليه به أصولها ولا فروعها، بل يحل له التزوج بأمها أو ابنتها التي لم تتخلق من مائه لحرمتها عليه، ومن باب أولى يجوز لأصوله وفروعه نكاح تلك المرأة، هذا معنى كلام المصنف، وليس معناه أن من زنى بامرأة يجوز له بعد استبرائها نكاحها لأن هذا غير متوهم ولم يقع فيه نزاع بين العلماء، وما ذكره المصنف هو المشهور في المذهب وهو قول الإمام مالك في الموطإ. قال سحنون؟ وأصحاب مالك كلهم عليه لم يختلفوا فيه إلا ابن القاسم فإنه روى في المدونة أن من زنى بأم امرأته فإنه يفارقها، واختلفوا في المفارقة هل على الوجوب أو الندب؟ قال العلامة بهرام: واختلف الأشياخ في المعتمد هل هو ما في الموطإ أو ما في المدونة؟ واختصر البرادعي عليه، ولأن الإمام رجع عن ما في الموطإ وأفتى بالتحريم إلى أن مات، فذهب جماعة إلى تصحيح ما في المدونة، وجماعة إلى تصحيح ما في الموطإ، ووجوب التعويل عليه لما علمت من أن عليه كل الأصحاب خلا ابن القاسم، فلله در المصنف حيث اقتصر على الراجح الموافق لما في الموطإ ولو ثبت رجوع الإمام عما فيه."
فإن قيل: كيف يكون الراجح ما في الموطإ وهو عدم نسبة التحريم بالزنا مع رجوع الإمام عنه؟ مع أن المرجوع عنه لا ينسب إلى قائله فضلا عن كونه راجحا؟ فالجواب: أن أصحابه أخذت من قواعده أن المعتمد عدم التحريم فصار عدم التحريم مذهبا لمالك وإن كان قوله مخالفا له، ولا شك أن ما يستنبطه أصحاب الإمام من قواعده من المسائل ينسب إليه وإن لم يقله ولا تكلم به، فإن كثيرا من المسائل لم يكن للإمام فيها نص، وإنما هي منقولة عن أصحابه وتنسب إلى مذهبه كغالب مسائل الإقرار، والله أعلم.
ولما فرغ من بيان المحرمات بالنسب والصهر والرضاع شرع في بيان المحرمات بالدين بقوله:"وحرم الله سبحانه وتعالى"على المسلم"وطء الكوافر"جمع كافرة"ممن ليس من أهل الكتاب"كالمجوسيات والصابئات وعابدات الأوثان ونحوهن ممن ليس له كتاب لقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] فإنها محمولة على غير أهل الكتاب والنهي عام في الوطء"بملك أو نكاح"والمراد بالوطء سائر أنواع الاستمتاع، ثم صرح بمفهوم من ليس من أهل الكتاب بقوله:"ويحل"للمسلم"وطء"الإماء"الكتابيات بالملك"لعموم قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] "ويحل لنا"معاشر المسلمين"وطء حرائرهن"أي الكتابيات"بالنكاح"للقاعدة وهي أن كل من جاز لنا وطء إمائهم بالملك يجوز لنا وطء حرائرهم بالنكاح