وسائر الفقهاء قالوا في هذه الآثار وما كان مثلها في ذم القياس: إنه القياس على غير أصل والقول في دين الله بالظن.
ألا ترى إلى قول مَن قال منهم: أول من قاس إبليس: رد أصل العلم بالرأي الفاسد، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها، لا في رد الأصول بالرأي والظن، وإذا صح النص من الكتاب والأثر بطل القياس والنظر: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} الآية [الأحزاب: 36] .
وأي أصل أقوى من أمر الله تعالى لإبليس بالسجود، وهو العلم بما خلق منه آدم وما خلق منه إبليس، ثم أمره بالسجود له فأبى واستكبر لعلة ليست بمانعة من أن يأمره الله بما يشاء؟ فهذا ومثله لا يحل ولا يجوز.
وأما القياس على الأصول والحكم للشيء بحكم نظيره، فهذا ما لا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من روى عنه ذم القياس قد وجد له القياس الصحيح منصوصا لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل مخالف للسلف في الأحكام.
878-أخبرنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ, قال مساور الوراق:
كنا من الدين قبل اليوم في سعة حتى ابتلينا بأصحاب المقاييس
قاموا من السوق إذا قلت مكاسبهم فاستعملوا الرأي عند الفقر والبؤس
أما العريب فقوم لا عطاء لهم وفي الموالي علامات المفاليس1
فلقيه أبو حنيفة فقال: هجوتنا، نحن نرضيك، فبعث إليه بدراهم، فقال:
إذا ما أهل مصر بادهونا بآبدة من الفتيا لطيفة
أتيناهم بمقياس صحيح صليب من طراز أبي حنيفة
إذا سمع الفقيه به وعاه وأثبته بحبر في صحيفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رواه ابن بطة في الإبانة"692"2/ 549"الكتاب الأول".