فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجمت الشياطين وانقضت الكواكب. فلما رأت ذلك قريش أنكرت انقضاض الكواكب وقالوا: ما هذا إلا لقيام الساعة، وأصابت الناس زلزلة عمت جميع الدنيا حتى تهدمت الكنائس والبيع، وزال كل شيء يعبه دون الله، عز وجل، عن موضعه، وعميت على السحرة والكهان أمورهم وحبست شياطينهم، وطلعت نجوم لم تر قبل ذلك فأنكرتها كهان اليهود، وزلزل إيوان كسرى فسقطت منه ثلاث عشرة شرافة، وخمدت نار فارس ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام. ورأى عالم الفرس وحكيمهم وهو الذي تسميه الفرس موبذان موبذ القيم بشرائع دينهم كان إبلًا عرابًا تقود خيلا صعابًا حتى قطعت دجلة وانتشرت في البلاد. فراع ذلك كسرى أنو شروان وأفزعه، فوجه إلى النعمان فقال: هل بقي من كهان العرب أحد؟ قال: نعم! سطيح، الغساني بدمشق من أرض الشام. قال: فجئني بشيخ من العرب له عقل ومعرفة أوجهه إليه. فأتاه بعبد المسيح بن بقيلة، فوجهه إليه. فخرج عليه عبد المسيح على جمل حتى قدم دمشق. فسأل عنه فدل عليه وهو ينزل في باب الجابية، فوجده في آخر رمق. فنادى في أذنه بأعلى صوته:
أصم أم تسمع غطريف اليمن ... يا فارج الكربة أعيت من ومن
وفاصل الخطبة في الأمر العنن ... أتاك شيخ الحي من آل يزن
فقال: عبد المسيح، على جمل مشيح، نحو سطيح، حين أشفى على الضريح. بعثك ملك بني ساسان بهدم الأيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان. رأى إبلا عرابا تقود خيلا صعابًا حتى قطعت دجلة وانتشرت في البلاد. يا ابن ذي يزن تكون هنه وهنات ويموت ملوك وملكات بعدد الشرافات. إذا غاضت بحيرة ساوة وظهرت التلاوة بأرض تهامة وظهر صاحب الهراوة فليست الشام لسطيح شاما. ثم فاضت نفسه.
وجاء رجل من أهل الكتاب إلى ملأ من قريش فيهم هشام بن المغيرة والوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة فقال: ولد لكم الليلة مولود. قالوا: لا. قال: أخطأكم والله معشر قريش فقد ولد إذا بفلسطين غلام اسمه أحمد، به شامة كلون الحر الأدكن يكون به هلاك أهل الكتاب، فلم يريموا حتى قيل لهم إنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام. فمضى الرجل حتى نظر إليه ثم قال: هو والله هو! ويل أهل الكتاب منه. فلما رأى سرور قريش بما سمعت منه قال: والله ليسطون بكم سطوة يتحدث بها أهل المشرق والمغرب. وكان تزويج عبد الله بن عبد المطلب لآمنه بنت وهب بعد حفر زمزم بعشر سنين، وقيل بضع عشرة سنة. وبين فداء عبد المطلب لابنه وبين تزويجه إياه سنة، فكان اسم عبد الله أبي رسول الله عبد الدار، وقيل: كان اسمه عبد قصي. فلما كان في السنة التي فدي فيها قال عبد المطلب: هذا عبد الله، فسماه يومئذ كذلك. وكان بين تزويج أبي رسول الله لأمه وبين مولده على ما روى جعفر بن محمد عشرة أشهر، وقال بعضهم سنة وثمانية أشهر.
وروي عن أمه أنها قالت: رأيت لما وضعته نورًا بدًا مني ساطعًا حتى أفزعني، ولم أر شيئًا مما يراه النساء.
وروى بعضهم أنها قالت: سطع مني النور حتى رأيت قصور الشام، ولما وقع إلى الأرض قبض قبضة من تراب ثم رفع رأسه إلى السماء...
فكان أول لبن شربه بعد أمه لبن ثويبة مولاة أبي لهب. وقد أرضعت ثويبة هذه حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب وأبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وقال رسول الله، بعد ما بعثه الله: رأيت أبا لهب في النار يصيح العطش العطش فيسقي في نقر إبهامه. فقلت: بم هذا؟ فقال: بعتقي ثويبة لأنها أرضعتك.
وتوفي عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روى جعفر بن محمد بعد شهرين من مولده. وقال بعضهم إنه توفي قبل أن يولد، وهذا قول غير صحيح لأن الإجماع على أنه توفي بعد مولده. وقال آخرون بعد سنة من مولده، وكانت وفاة عبد الله بالمدينة عند أخوال أبيه بني النجار في دار تعرف بدار النابغة، وكانت سنة يوم توفي خمسًا وعشرين سنة.
واسترضع في بني سعد بن بكر بن هوازن. وكان عبد المطلب دفعه إلى الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي زوج حليمة بنت أبي ذؤيب السعدي، فلم يزل مقيما في بني سعد يرون به البركة في أنفسهم وأموالهم حتى كان من شأنه في الذي أتاه في صورة رجل، فشق عن بطنه وغسل جوفه، ما كان. فخافوا عليه وردوه إلى جده عبد المطلب وله خمس سنين، وقيل أربع سنين، وهو في خلق ابن عشر وقوته.